أرشيف المدونة

شبهة قراءة “وقضى ربك” أم “ووصى ربك”!

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

شبهة رواية “ووصى ربك” التصاق الواو  بالصاء “وقضى ربك”

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

 هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول عصمة القرآن الكريم.

قالوا كيف تقولون أن كتابكم محفوظ من التغيير وعندكم رواية تقول أن الآية (23) من سورة الإسراء تَغَيَّرتْ مِنْ {وَوَصَّى رَبُّكَ} إِلَى {وَقَضَى رَبُّكَ}؟!

 واستدلوا بمـا رواه الطبري في تفسيرهقَالَ:

{ حَدَّثَنِي الْـحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا:{وَوَصَّى رَبُّكَ} وَقَالَ: إِنَّهُمْ أَلْصَقُوا الْوَاوَ بِالصَّادِ فَصَارَتْ قَافًا }.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

فالسندُ فيه راوٍ مُدَلِّس وراوٍ آخر ضعيف واهي الحديث.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحاً تجتمع فيه شروط قبول الرواية بقسميه الصحيح والحسن، ويجب أن تنطبق على الحديث الصحيح شروط خمس وهي:

 (1)  اتصال السند.

 (2)  عدالة الرواة.

 (3)  ضبط الرواة.

 (4)  انتفاء الشذوذ.

 (5)  انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بنُ الصلاح: { أَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَلَا يَكُونُ شَاذًّا، وَلا مُعَلَّلًا }.(2)

علل الرواية:

العِلَّة الأولى:هُشَيْم ابْنُ بَشِير مُدَلِّس وقد عَنْعَنَ الحديث.

فهذا الراوي رغم أنه كان ثِقَةً ثَبْتاً في الحفظ إلا أَنَّهُ كان يُدَلِّسُ بلفظة (عن).

قال الإمام الذَّهَبِيُّ.

{ هُشَيْم ابْنُ بَشِير…كَانَ رَأْساً فِي الحِفْظِ، إِلاَّ أَنَّهُ صَاحِبُ تَدْلِيسٍ كَثِيْرٍ، قَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ}.(3)

فما هو معنى التدليس في سند الحديث ؟

قال الإمامُ صَلَاحُ الدِّينِ العَلَائِيُّ:

{ يَرْوِي الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ حَدِيْثاً لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ بِلَفْظِ (عَنْ) أَوْ (قَالَ) أَوْ (ذَكَرَ) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُوْهِمُ الاتِّصَالَ وَلَا يُصَرِّحُ بِحَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَلَا سَمِعْتُ }.(4)

فما حكم رواية الـمُدَلِّس ؟

رواية المدلس لا يقبلها علماءُ الحديث إلا إذا  صَرَّحَ فيها بالسمـاع من شيخه بألفاظ صريحة.

قال الإمامُ أبو عمرو بن الصلاح:

 { والـمُدَلِّسُ لَا يُحْتَجُّ مِنْ حَدِيْثِهِ إِلَّا بِمَـا قَالَ فِيهِ حَدَّثَنَا أَوْ غَيره مِنَ الْأَلْفَاظِ الْـمُبَيِّنَةِ لِسَمَـاعِهِ }.(5)

  العلة الثانية: أبو إسحاق الكوفي عبد الله بْنُ مَيْسَرَة ضعيف الحديث.

قال الإمام الذهبي:

{ عبد الله بن ميسرة أبو ليلى، وهو أبو إسحاق وأبو جرير وأبو عبد الجليل, كَنَّاهُ بهذه الأربعة هُشَيمٌ يُدَلِّسُهُ:

ضَعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ.

وقال مَرَّةً: ليس بثقة.

وقال مَرَّةً: ليس بشيء.

وقال البخاريُ: ذَاهِبُ الحديث.

وقال النسائي: ليس بثقة }.(6)

إذاً، فأبو إسحاق الكوفي هذا ضعيفُ الحديث, ومن قبله تدليس هُشَيم بن بشير.

فهاتانِ عِلَّتَانِ, إذا وُجِدَتْ عِلَّةٌ واحدةٌ منهمـا لرفضنا الروايةَ بسببها, فَكَيْفَ بهما معاً ؟!

وبالتالي فالرواية ضعيفة  وغير مقبولة.

ثانياً: كتب أخرى تذكر الرواية:

قال الإمام البوصيريُّ:

{ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَـا ، قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ , عَزَّ وَجَلَّ , هَذَا الْـحَرْفَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : {وَوَصَّى رَبُّكَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}, فَلُصِقَتْ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ بِالأُخْرَى، فَقَرَأَ لَنَا { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ } وَلَوْ نَزَلَتْ عَلَى الْقَضَاءِ مَا أَشْرَكَ بِهِ أَحَدٌ فَكَانَ مَيْمُونُ يَقُولُ: إِنَّ عَلَى تَفْسِيرِهِ لَنُورًا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا }.(7)

وطبعاً البُوصَيري ليس هو مَنْ يروي عن أحمد بن منيع, وإنما نَقَلَ البُوصيري هذه الرواية مِنْ مُسند

أحمد بن منيع، وهذا سَنَدٌ سَاقِط تَالِف, وَيَكْفِينَا ما قاله عنه صاحبُ الكتاب نفسه وهو البُوصَيرِيُّ.

قال الإمام البُوَصيرِيُّ:

{ هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، فُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ }.(7)

والفرات بن السائب كما قال عنه الإمامُ البُوصَيري.

قال الإمام الذَّهَبِيُّ: { فُرات بن السائب، أبو سليمان:

قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.

وقال ابْنُ مَعِينٍ: ليس بشيء.

وقال الدَّارَقُطْنِيُّ وغيره: متروك.

وقال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: قريب من محمد بن زياد الطحان، في ميمون، يُتَّهَم بِمَـا يُتَّهَم به ذَاكَ }.(8)

فَهَلْ مِثْلُ هذا الشخص المتروك الـمُتَّهَم، تُقبل منه رواية عند عاقل من العقلاء ؟

سند آخر:

قال الإمام سعيدُ بنُ منصور:

{ نا سفيان, عن عبد الملك بن أعين، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، أنه قال: (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه)، يقول: التزقت الواو بالصاد، وأنتم تقرؤونها: { وَقَضَى رَبُّكَ } }.(9)

عِلَّة الرواية: عبد الملك بن أعين.

قال الإمام أبو الـحَجَّاجِ الـمِزِّيُّ:

{ قال محمد بن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدث عن سفيان عن عبد الملك بن أعين، وكان يُحدِّث فيما أخبرت عنه ثم أمسك.

وقال الحميدي عن سفيان: حدثنا عبد الملك بن أعين، شيعي كان عندنا رافضي صاحب رأي.

وقال محمد بن عباد المكي عن سفيان حدثنا: عبد الملك بن أعين وكان رافضياً.

 وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ليس بشيء.

وقال أبو عبيد الأجرِّي عن أبي داود حدثنا حامد قال حدثنا سفيان قال: هم ثلاثة إخوة عبد الملك بن أعين وزرارة بن أعين وحمران بن أعين، روافض كلهم, أخبثهم قولاً عبد الملك.

وقال أبو حاتم: هو من عتق الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث، يُكتب حديثه.

وذكره بن حبان في كتاب الثقات وقال: كان يتشيع }.(10)

وعبدُ الملك بنُ أَعْيَن ذَكَرَهُ البخاريُّ في كتابه الضعفاء وقال:

{ عبد الملك بن أعين, كان شيعياً…يُحْتَمَل في الحديث }.(11)

واحتماله في الحديث لا يعني احتماله إذا انفرد, بل انفراده غير مُحْتَمَل، وخصوصاً في روايةٍ كهذه، وإنما يُحْتَمَل في وجود متابع قويٍّ فقط، بدليل ذِكْرِ الإمام البُخاري له في كتاب الضعفاء.

وإنما ذكرتُ هذا الكلام حتى لا يقولنَّ قائل: كيف تُضَعِّفُون عبدُ الملكِ بنُ أعين وقد رَوَى له البخاريُّ في صحيحه.

فأقول أنَّ الإمامَ البخاريَّ إنما رَوَى له مقروناً بغيره, وليس احتجاجاً به.

فقد أثبتنا الآن أنَّ البخاريَّ نفسه يُضَعِّفُهُ, ولا يحتج به. فكيف نحتج به في رواية كهذه ؟

هذا وقد ذَكَرَهُ الإمامُ ابنُ الجوزي في كتابه الضعفاء والمتروكين.(12)

كما ذَكَرَهُ الإمامُ الذهبي في كتابه الـمُغْنِي في الضعفاء.(13)

كذا ذَكَرَهُ الإمامُ العُقَيلي في كتابه الضعفاء.(14)

ثالثاً: رواية قراءة ابن مسعود:

لا يفوتني أنْ أنبِّه أنَّ الإمامَ الطبرانيَّ في كتابه “المعجم الكبير” ذَكَرَ رواية أخرى بلفظٍ آخر فقال:

{ حَدَّثَنَا الْـحُسَيْنُ ابْنُ إِسْحَاقَ، ثنا يَحْيَى الْحِمَّـانِيُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، يَقْرَأُ: “وَوَصَّى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ” }.(15)

وأقول أنَّ هذه الرواية في حالة صِحَّتِهَا لَيسَ فيها شيءٌ على الإطلاق إِذْ أنَّ هذه القراءةَ ستكون مُجَرَّدَ قراءةٍ مَنْسُوخَةٍ مع القِرَاءَاتِ التي نُسِخَتْ قبل العَرْضَةِ الأخيرة.

وأرجو أن تُلاحظ عزيزي القارئ الكريم أن الرواية تتكلم عن قراءة ابن مسعود وليس مصحفاً مكتوباً كالرواية الباطلة الأولى التي تتحدث عنْ أنَّ التغيير وقع في المكتوب وليس المقروء.

ثم نقول أن هذه الرواية في حالة صحتها أيضا فهي قراءة شاذة عن القراءة الـمُجْمَعِ عليها مِنْ كُلِّ المسلمين في شَتَّى بِقَاعِ الأرض.

ولكن سند هذه الرواية لا يصح، ففي سَنَدِهَا عِدَّةُ عِلَل.!

علل الرواية:

العِلَّة الأولى:يحيى الحِمَّـانيمنكر الحديث.

قال الإمام الذهبي: { يحيى بن عبد الحميد الـحِمَّـانِيُّ حافظٌ منكر الحديث.

وقَدْ وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ وغَيرُه.

وقال أحمدُ ابنُ حنبل: كان يَكْذِبُ جِهَاراً.

وقال النَّسَائِيُّ: ضعيف }.(16)

العِلَّة الثانية:الأعمش لم يُدْرِكْ الصحابيَّ عبدَ اللهِ ابنَ مسعود.

فَسَيِّدُنا عَبْدُ الله ابْنُ مسعود رضي الله عنه تُوُفِّيَ عام 32 من الهجرة النبوية.

قال الإمام الذهبي:

{تُوُفِّيَ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ}.(17)

أمَّا الإمام سُلَيمـانُ بنُ مهران الأعمش فَوُلِدَ عام 61 من الهجرة النبوية.

قال الإمام الذهبي:

{ وُلدَ بِقَرْيَةِ أُمِّهِ مِنْ أَعْمَـالِ طَبَرِسْتَانَ، فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ}.(18)

وهذا انقطاعٌ طويلُ بينهما يصل لـ 21 عاماً, مما يجعلنا نحكم على الرواية بالضعف لهاتين العِلَّتينِ.

سند آخر لرواية قراءة ابن مسعود:

قال الإمام الطبريُّ:

{ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ]وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ[ قال: أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وفي حرف ابن مسعود: (وَصَّى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) }.(19)

وهذا السَّنَدُ صحيحٌ إلى قَتَادة بن دعامة, ولكن قتادة نفسه لم يدرك عبد الله بن مسعود.

فَسَيِّدُنا عَبْدُ الله ابْنُ مسعود رضي الله عنه تُوُفِّيَ عام 32 من الهجرة النبوية، انظر هامش رقم (17).

وأما قتادة بن دعامة السدوسي فقد وُلِدَ سنة 60 من الهجرة.

قال الإمام الذهبيُّ:

{ قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ بنِ قَتَادَةَ…مَوْلِدُه: فِي سَنَةِ سِتِّيْنَ }.(20)

فبينهما انقطاع حوالي 28 سنة بين مولد قتادة ووفاة عبد الله بن مسعود.

هذا إذا كان قتادة يقصد بكلامه بحرف ابن مسعود أي القراءة.

فهو قطعاً لم يسمع منه, ويضاف إلى هذا أنَّ قتادةَ مُدَلِّسٌ مشهور بالتدليس.

وبلا شك أن هذا الكلام بَلَغَ قتادةَ عن شخص آخر عن ابن مسعود, وهذا يعني انقطاعاً في السند بين قتادة وبين ابن مسعود, فيكون السند بهذا ضعيفاً.

وإما أن يكون قتادة يقصد بالحرف أي الحرف المكتوب في مصحف ابن مسعود, فلنا على ذلك ردود.

أولاً: أنَّ القراءة المنقولة بالسند الصحيح المتصل المتواتر عن عبد الله بن مسعود وعن كل الصحابة هي قراءة ]وَقَضَى رَبُّكَ[ وليس {وَوَصَّى رَبُّكَ}.

ثانياً: إجماع الأمة الإسلامية على قراءة ]وَقَضَى رَبُّكَ[. فتكون قراءة { وَوَصَّى رَبُّكَ } قراءة شاذة.

ثالثاً: الرسم العثماني الذي أجمعت عليه الامة الإسلامية على قراءة ]وَقَضَى رَبُّكَ[ وليس {وَوَصَّى رَبُّكَ}.

رابعاً: عندنا في دين الإسلام العظيم شروط ثلاثة لقبول القراءة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1)     اتصال السند.

2)     موافقة الرَّسْم العُثمـاني وَلَوِ احتمالاً.

3)     موافقة وَجْهٍ من أَوْجُهِ النَّحْو.

قال الإمامُ ابنُ الـجَزَرِيِّ:

{ كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتِ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَوَافَقَتْ أَحَدَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَـانِيَّةِ وَلَوِ احْتِمَـالًا وَصَحَّ سَنَدُهَا، فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ رَدُّهَا وَلَا يَحِلُّ إِنْكَارُهَا، بَلْ هِيَ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمْ عَنِ الْعَشْرَةِ، أَمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْـمَقْبُولِينَ، وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ…هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ}.(21)

وهذه الرواية لا نَعْلَمُ لها سَنَداً صحيحاً مُتَّصِلاً ، كما أنَّها مُخَالِفَةٌ للرَّسْمِ العُثْمَـانِي الـمُجْمَعِ عليه على مَدَارِ التاريخ الإسلامي. وكل ما خالف هذه الشروط الثلاثة لا عبرة به, ولا قيمة له.

رابعاً: في حالة صحة رواية قتادة:

أقول أنه في حالة صِحَّةِ الرواية عن قتادة, ولو ثبت بالفعل أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ الآية هكذا, فنستطيع أن نقول أن هذه القراءة مِن مَنْسُوخ التلاوة, وأنَّ هذا كان حَرْفاً أَقْرَأَهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه, ثم نُسِخَ مع ما نُسِخَتْ تلاوته.

وإنما قلت هذا, لأنَّ الصحابي عبد الله بن مسعود حَضَرَ العَرْضَةَ الأخيرة التي عَارَضَ فيها جبريلُ القرآنَ الكريمَ مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, و العَرْضَةُ الأخيرة هي القرآنُ الموجودُ اليومَ بين أيدينا  بإجماع علماء الأمة الإسلامية، قديماً وحديثاً, سلفاً وخلفاً, لا أعلم في هذا مخالفاً.

روى الإمامُ البخاري في صحيحه:

{ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَـا, فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ:مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ, قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ: فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ}.(22)

فهذه شهادة عزيزة غالية على حفظ القرآن الكريم على ما هو عليه بعد العرضة الأخيرة.

تنبيه:

استدل بَعْضُهُمْ بأنَّ الإمامَ ابْنَ حَجَر العسقلاني جَوَّدَ سَنَدَ رواية سعيد بن منصور في سننه رَدًّا على الزمخشري في إنكاره للرواية، فقال: { أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْهُ }.!

 وَلَكِنْ مِمَّا يُؤْسَفُ له أنَّ النصراني الذي اعتاد على التَّدْلِيسِ والْكَذِبِ تَأَسِّياً ببولس، حَذَفَ بَقِيَّةَ تعليقِ الإمامِ ابنِ حجر العسقلاني على الرواية وإليك كلام الإمام ابن حجر العسقلاني كاملاً:

قال الإمام ابن حجر العسقلاني:

{ وَقد جَاءَ عَن ابن عَبَّاسٍ نَحْوُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهُ تَعَالَى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه } قَالَ: {وَوَصَّى}. الْتَزَقَتِ الْوَاوُ فِي الصَّادِ. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْهُ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا الْـمُعْتَمَدُ، لَكِنَّ تَكْذِيبَ الْمَنْقُولِ بَعْدَ صِحَّتِهِ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ التَّحْصِيلِ فَلْيُنْظَرْ فِي تَأْوِيلِهِ بِمَـا يَلِيقُ بِهِ }.(23)

أقول: ولكن هذا الكلام المنقول عن ابن عباس لم يَصِحَّ سنداً حتى نَنْظُرَ في تأويله بما يليق.

ثم إن الإمام ابن حجر العسقلاني قال:{ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا الْـمُعْتَمَدُ }. وهذا يعني أنه يرى السندَ جيداً ولكنه لا يُصَحِّحُ المتن على ظاهره, بدليل أنه لم يعتمده, بل قال أنَّ غيرَه هو المعتمد, فتنبه.!

ثم إنَّ الإمامَ ابنَ حَجَر قال: { فَلْيُنْظَرْ فِي تَأْوِيلِهِ بِمَـا يَلِيقُ بِهِ }. وهذا يعني أن لا نأخذ هذا المتن على

ظاهره لأن ظاهره يخالف ما أجمعت عليه أمة الإسلام العظيم منذ زمن الصحابة إلى يومنا هذا.

وقد بَيَّنَّا مِن قبل أن عبد الملك بن أعين راو القصة، وضعه البخاري نفسه في كتابه الضعفاء.!

فكيف يكونُ السندُ جيداً كما قال الإمامُ ابنُ حَجَر العَسْقَلَاني ؟!

أقول: أنه رُوِيَتْ بَعْضُ الروايات بأنَّ هذه الآية في مصحف أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه كانت مكتوبة هكذا: “وَوَصَّى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ”.

ولا توجد رواية واحدة صحيحة في الروايات التي تقول أنها كانت {ووصى} الواو التزقت بالصاد فأصبحت {وَقَضَى}.

أكرر كلامي بأنَّ كل الروايات التي تقول بهذا القول ليست بصحيحة، مع مخالفتها لإجماع الأمة الإسلامية.

سند رواية قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:

قال الإمام الطبريُّ:

{ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثنا نُصَيْرُ ابْنُ أَبِي الأَشْعَثِ، قَالَ: ثني ابْنُ حَبِيبِ ابْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَعْطَانِي  ابْنُ  عَبَّاسٍ  مُصْحَفًا، فَقَالَ: هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قال أبو كريب: قال يحيى: رأيت المصحف عند نصير فيه: {ووصى ربك} يعني: وقضى ربك}.(24)

قلتُ: وهذا سند ضعيف بسبب يَحْيَى بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيِّ.

قال الإمام أبو حاتم بنُ حبان:

{ يحيى بن عيسى بن محمد التميمي الرملي…وَكَانَ مِمَّنْ سَاءَ حِفْظُهُ وَكَثُرَ وَهْمُهُ حَتَّى جَعَلَ يُخَالِفُ الْأَثْبَاتَ فِيمَـا يروى عن الثقات ; فَلَمَّـا كَثُرَ ذلك في روايته بَطَلَ الاحْتِجَاجُ به.

أخبرنا محمد بن زياد الزيادي قال: حدثنا ابن أبى شيبة: سمعت يحيى بن معين – وذكر له يحيى بن عيسى الرملي – فقال: كان ضعيفا.

سمعت محمد بن محمود: سمعت الدارمي: قلت ليحيى بن معين: فيحيى بن عيسى الرملي تعرفه ؟ قال: نعم ما هو بشيء}.(25)

ونقول كمـا قلنا مِنْ قبل أنَّ الروايةَ تعني أنَّ الآيةَ بالفعل أقرأها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم

 له بهذا الشَّكْلِ وَلَكِنَّ ذلك نُسِخَ مَعَ مَا نُسِخَتْ تلاوتُه في العرضة الأخيرة.

تنبيه:

يستدل بَعْضُ مَنْ لا عِلْمَ لَهُ من جُهَّالِ النَّصَارَى بأنَّ كلمة وَوَصَّى هي الصحيحة لأن كلمة وقضى تعني الحتم والإلزام. مستدلين برواية ابن عباس وقوله فيها: { وَلَوْ نَزَلَتْ عَلَى الْقَضَاءِ مَا أَشْرَكَ بِهِ أَحَدٌ }.!

بمعنى أن الآية إذا كانت {وَقَضَى} فهذا يعني أنه أمر نافذ على الجميع, ليس للبشر يَدٌ في مخالفته. وعليه فلن يكون في الأرض مشرك واحد لأن الله قضى بعدم الشرك.

وهذا من أعجب ما سمعت من جهال النصارى والمنصرين.

أولاً: لقد بينا أن الرواية في سندها “الفُرات بن السائب” وهو متروك الحديث.

ثانياً: معنى القَضَاءِ في الآية هو أمر الله بعدم الوقوع في الشرك.

قال الإمام ابن منظور:

{ وقوله تعالى وقَضَى ربُّك أَن لا تعبدوا إِلاَّ إِياه أَي: أَمَرَ رَبُّكَ وَحَتَمَ وهو أَمر قاطع حَتْمٌ }.(26)

ثالثاً: هؤلاء الجهلة لا يفرقون بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية.

فأما الإرادة الشَّرعية: هو ما يحبه الله لعباده من الـهُدَى والإيمان فأمرهم به وحثهم عليه. وهي التي يحاسب الله عليها عباده بحسب امتثالهم لها أو إعراضهم عنها. ومنها قوله تعالى { وَاللَّهُ يُرِيْدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم }. ومع ذلك فكثير من أهل الأرض لا يتوبون, فَدَلَّ ذلك على أنها إرادة شرعية.

وأما الإرادة الكونية: فهي قَدَرُ الله النَّافِذُ على خلقه سواءً أحبه الله أو أبغضه, ولا مجال ولا سبيل لأحد أن يخالفها أو يعارضها, ومنها قوله تعالى: { إِنَّمَـا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون }. وإذا أراد الله تعالى أن يفعل شيئاً فمن ذا الذي يستطيع أن يخالفه أو يعارضه ؟!

فأراد هؤلاء الجُهَّالُ أنْ يَحْمِلُوا معنى الآيةَ على أنَّ الله قضى ألا يشرك به أحد, وهذا أمر نافذ لن يخالفه أحد, في حين أنها إرادة شرعية وليست كونية, بمعنى أن الله أمر بذلك وأراده شرعًا.

فمن استجاب له أثابه الله, ومن خَالَفَه عاقبه الله، مثل “شرب الخمر” فقد حرمه الله، ومع ذلك نرى الناس يشربونه, ومنهم مسلمون !!

خامساً: نقولات مهمة لبعض العلمـاء:
ذكر كثيرٌ مِن العلماء أنَّ المرويَّ باستفاضةٍ عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وغيرهما هو قراءة {
وَقَضَى}.

قال الإمام أبو حيان الأندلسي:

{ وفي مصحف ابن مسعود وأصحابه وابن عباس وابن جبير والنخعي وميمون بن مهران من التوصية . وقرأ بعضُهم : وأوصى من الإيصاء ، وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير, لأنها قراءة مخالفة لسواد المصحف والمتواتر هو {وَقُضِىَ} وهو المستفيض عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في أسانيد القراء السبعة {وَقُضِىَ} هنا قال ابن عباس والحسن وقتادة: بمعنى أمر }.(27)

سادساً: الإجماع على قراءة {وَقَضَى}:

قال الإمام ابن الجوزي:

{ قوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ } روى ابنُ أبي طلحة عن ابن عباس قال : أمَر ربك . ونقل عنه الضحاك أنه قال : إِنما هي «ووصى ربك» فالتصقت إِحدى الواوين ب «الصاد» ، وكذلك قرأ أُبيُّ بن كعب ، وأبو المتوكل ، وسعيد بن جبير : «ووصى» ، وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإِجماع، فلا يُلْتَفَتُ إِليه }.(28)

فهذا إجماع أمتنا الإسلامية العظيمة على قراءة { وقضى ربك }.

 

سابعاً: من فمك أُدينك:

ألمْ ينظر هذا النصراني إلى ما في كتبه ؟ ألمْ يَرَ حَجْمَ التحريفات والتخريفات التي شَوَّهَتْ كتابه ؟

 ألا يستحي هذا النصراني من نفسه، وهو يُؤمن بكتاب أصابته جميعُ أنواعِ التحريفِ والتزييفِ، ثُمَّ يأتي ليتهجم بلا وعي على  أَصَحِّ كِتًابٍ عَلَى وجه الأرض ؟!

سأضرب مثالاً واحداً بسيطاً على التحريف في كتاب النصارى من العهد الجديد.

ومن أراد المزيد فليرجع إلى سلسلة تحريف الكتاب المقدس على قناة مكافح الشبهات.

جاء في كتاب النصارى يوحنا 9:

{ 35فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجاً، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللَّهِ؟» 36أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» 37فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». 38فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ }.(29)

وهذه الجملة  { أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللَّهِ} هي محل بحثنا الآن.

جدير بالذكر أن هذه الترجمة العربية التي نقلت منها هذه الفقرات هي ترجمة الفانديك البيروتية.

ولكن من يتصفح بقية الترجمات يجد شيئاً عجيباً.!

تقول الترجمة الرهبانية اليسوعية:

{ فسَمِعَ يسوع أَنَّهم طَردوه. فلَقِيَه وقالَ له: «أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان ؟» }.(30)

تقول الترجمة العربية المشتركة:

{ فسَمِعَ يسوع أَنَّهم طَردوه. فقال له عِنْدَمَا لَقِيَه: «أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان ؟» }.(31)

تقول الترجمة البولسية:

{ وسَمعَ يَسوعُ أَنَّهم طَرَدوهُ، فَلَقِيَهُ وقالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بابْنِ البَشر» }.(32)

تقول الترجمة العربية المبسطة:

{ 35 وَسَمِعَ يَسُوعُ أنَّهُمْ طَرَدُوا الرَّجُلَ، فَوَجَدَهُ وَقالَ لَهُ: « أتُؤْمِنُ بابْنِ الإ نسانِ؟ »}.(33)

فما الذي حدث ولماذا تغيرت كلمة (ابن الله) إلى (ابن الإنسان) ؟

والواقع أن العكس هو الصحيح, أي أن النص كان يقول (ابن الإنسان) وتم تحريفه في مخطوطات العهد الجديد التي ترجموا منها ترجمة الفانديك إلى (ابن الله).

ولكن بالرجوع إلى المخطوطات القديمة المكتشفة مؤخراً, وجد العلماء أنَّ النص يقول (ابن الإنسان) وليس (ابن الله).!

فكان النص في المخطوطات القديمة هكذا وهذا اقتبسته من نُسخة نستل ألاند بعد ترجيحه له:

Ἤκουσεν Ἰησοῦς ὅτι ἐξέβαλον αὐτὸν ἔξω, καὶ εὑρὼν αὐτὸν εἶπεν, Σὺ πιστεύεις εἰς τὸν υἱὸν τοῦ ἀνθρώπου;

ثم بعد التحريف صار النَّصُّ هكذا:

ηκουσεν ο ιησους οτι εξεβαλον αυτον εξω και ευρων αυτον ειπεν αυτω συ πιστευεις εις τον υιον του θεου

والفرق ظاهر بين النصين فكلمة {θεου} تعني {الله} بينما كلمة {ἀνθρώπου} تعني {إنسان}.

وجاء في كتاب “العهد الجديد يوناني عربي بين السطور” لـ بولس الفغالي وأنطوان عوكر .(34)

تكبير

يقول الأب متى المسكين:

{ كان يظنه أولاً أنه نبي، ولكن لما عَلِمَ أن الواقف أمامه والذي يرى وجهه ويتكلم معه هُوَ هُوَ ابن الله,صاحب الملكوت، والحامل لمفاتيح باب الحياة خَرَّ أمامه ساجداً }.(35)

وهذا النص من النصوص التي تَمَّ تحريفُها من أجل تدعيم عقيدة لاهوتية.

تقول دائرة المعارف الكتابیة:

{ وقد حدثت أحيانا بعض الإضافات لتدعيم فكر لاهوتي كما حدث في إضافة عبارة (والذين يشهدون في السماء هم ثلاثة) 1يو5-7 حيث أن هذه العبارة لا توجد في أي مخطوطة يونانية ترجع إلى ما قبل القرن الخامس عشر ولعل هذه العبارة جاءت أصلا في تعليق هامشي في مخطوطة لاتينية وليس كإضافة مقصودة إلى نص الكتاب المقدس ثم أدخلها أحد النساخ في صلب النص }.(36)

ولستُ هنا بصدد التفصيل في تحريف هذا النص فإنَّ لذلك بَحْثاً مُفَصَّلاً بمشيئة الله على القناة والمدونة.

تقول الترجمة الرهبانية اليسوعية:

 { إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية ولكن عددها كثيرٌ جداً على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها.

واكتشاف مصدر هذه الفوارق ليس بالأمر العسير ، فإن نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ،  وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أي نسخة كانت – مهما بُذل فيها من الجهد بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه ، يُضاف إلى ذلك أن بَعْضَ النُّسَّاخِ حاولوا أحياناً ، عن حُسْنِ نية أن يُصَوِّبُوا ما جاء في مِثَالِهم وبَدَا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي ، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ ، ثم يمكن أن يضاف إلى ذلك كله أن استعمال كثير من الفقرات من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة أدَّى أحيانا كثيرة إلى إدخال زخارف غايتها تجميل الطقس أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت عليه التلاوة بصوت عالٍ .

ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مَرِّ القرون تراكم بعضُه على بعضِه الآَخَر . فكان النَّصُّ الذي وصل آخرَ الأمرِ إلى عهد الطباعة مُثْقَلاً بمختلف ألوان التبديل ، ظهرت في عدد كبير من القراءات }.(37)

 

مراجع البحـث:

 (1)  جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام محمد ابن جرير الطبري ج14 ص543، ط دار هجر – الجيزة، ت: د/عبد الله التركي.

 (2)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11، ط دار الفكر المعاصر – لبنان، دار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عنتر.

 (3)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج8 ص289، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط.

 (4)  جامع التحصيل في أحكام المراسيل للإمام صلاح الدين العلائي ص96، ط عالم الكتب – بيروت، ت: حمدي عبد المجيد السلفي.

 (5)  صيانة صحيح مسلم للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص227، ط دار الغرب الإسلامي – بيروت، ت: موفق عبد الله عبد القادر.

 (6)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج4 ص210، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (7)  إتحاف الخيرة المهرة للإمام شهاب الدين البُوصَيْرِيَّج6 ص229، ط دار الوطن – الرياض، ت: ياسر بن إبراهيم (أبو تميم).

 (8)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج5 ص412، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (9)  سنن الإمام سعيد بن منصور  ج6 ص88، ط دار الصميعي – الرياض، ت: د/ سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حُمَيـِّد.

(10) تهذيب الكمال للإمام أبي الحجاج المِزّي ج15 ص256، ط مؤسسة الرسالة  بيروت، ت: د/ بشَّار عَوَّاد معروف.

(11) الضعفاء الصغير للإمام محمد بن إسماعيل البُخاريص76، ط دار المعرفة – بيروت ، ت: محمود إبراهيم زايد.

(12) الضعفاء والمتروكين للإمام أبي الفرج بن الجوزي ج2 ص148، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: عبد الله القاضي.

(13)  المغني في الضعفاء للإمام شمس الدين الذهبي ج2 ص8، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: حازم القاضي (أبو زهراء).

(14) الضعفاء للإمام أبي جعفر العقيلي ج3 ص791، ط دار الصميعي – الرياض، ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي.

(15) المعجم الكبير للإمام سليمان بن أحمد الطبراني ج9 ص149، ط مكتبة ابن تيمية – القاهرة، ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي.

(16) المغني في الضعفاء للإمام شمس الدين الذهبي ج2 ص522، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: حازم القاضي (أبو زهراء)..

(17) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج1 ص462، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(18) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج6 ص227، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(19) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام محمد ابن جرير الطبري ج14 ص542، ط دار هجر – الجيزة، ت: د/عبد الله التركي.

(20) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج5 ص270، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط..

(21) النشر في القراءات العشر للإمام محمد ابن الجزري ج1 ص9 ط دار الكتب العلمية – بيروت ، ت: الشيخ علي محمد الضَّبَّاع .

(22) صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري ص1282 ح5019 ،  ط دار ابن كثير – بيروت.

(23) فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني ج10 ص256، ط طيبة – الرياض، ت: نظر محمد الفاريابي.

(24) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام محمد ابن جرير الطبري ج14 ص542، ط دار هجر – الجيزة، ت: د/عبد الله التركي.

(25) المجروحين من المحدثين للإمام أبي حاتم بن حِبان ج2 ص479، ط دار الصميعي الرياض، ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي.

(26) لسان العرب للإمام محمد بن منظور ج5 ، ص3665، ط دار المعارف – القاهرة.

(27) تفسير البحر المحيط للإمام أبي حيان الأندلسي ج6 ص23، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: مجموعة من المحققين.

(28) زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج بن الجوزي ج5 ص22، ط المكتب الإسلامي –  بيروت.

(29) كتاب النصارى – ترجمة الفانديك – إنجيل يوحنا – الفصل 9 الأعداد من 35 إلى 38 ، ط دار الكتاب المقدس –  القاهرة.

(30) كتاب النصارى – الترجمة اليسوعية –  إنجيل يوحنا –  فصل 9 عدد 35، ص320 ، ط دار المشرق – بيروت ، لبنان.

(31) كتاب النصارى – الترجمة العربية المشتركة – إنجيل يوحنا –  فصل 9 عدد 35، ص159 ، ط دار الكتاب المقدس –  القاهرة.

(32) كتاب النصارى – الترجمة البُولسية –  إنجيل يوحنا –  فصل 9 عدد 35، ص444 ، ط منشورات المكتبة البُولسية – بيروت.

(33) كتاب النصارى – الترجمة العربية المبسطة –  إنجيل يوحنا –  فصل 9 عدد 35، ص1125 ، ط  دار الكتاب المقدس –  القاهرة.

(34) العهد الجديد يوناني عربي بين السطور ص491، للأب بولس الفغالي، أنطوان عوكر، وغيرهما ط مؤسسة دَكَّاش – بيروت.

(35) تفسير إنجيل يوحنا دراسة وشرح للأب متى المسكين ج1 ص601، ط دير أنبا مقار.

(36) دائرة المعارف الكتابية ج3 ص295، ط دار الثقافة القاهرة، تأليف نخبة من علمـاء اللَّاهوت.

(37) الترجمة الرهبانية اليسوعية ص12 ، ص13، مقدمة العهد الجديد، ط دار المشرق – بيروت.

 

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

Advertisements

مَنْ هو الصادق الأمين؟ رداً على المدعو رشيد!

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول الرسول الكريم

صلى الله عليه وسلم

من هو الصادق الأمين ؟ رداً على المدعو “الأخ رشيد” !

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول رسولنا الكريم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

ادَّعى المدعو (رشيد) على شاشة قناة الحياة النصرانية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يُسَمَّى بالصادق الأمين.!

وكأنَّ المسلمين عاشوا على مدار أربعة عشر قرناً من الزمان واهمين مخدوعين بقصة الصادق الأمين إلى أن أتى هذا البطل المغوار (رشيد) ليغوص في الكتب ويسبر أغوارها فيصحح للمسلمين ما أخطأوا فيه جميعاً طوال هذه القرون.!!

بدأ المدعو (رشيد) حلقته رقم 305 من برنامج سؤال جريء بسؤال من هو الصادق الأمين ؟

وقال ما معناه أننا سلمنا للشيوخ ورجال الدين دفة عقولنا، وهؤلاء الشيوخ والعلماء ظلوا طوال هذه السنوات يخدعوننا ويكذبون علينا حتى أوهمونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُسمَّى بالصادق الأمين قبل البعثة، ونحن نردد خلفهم آمين.!

ومن عجيب الزمان أني سمعت للمدعو (رشيد) كلمة أعجبتني جداً، وأظن أنه ينبغي بالفعل على كل من شاهد هذه الحلقة أن يعمل بكلمته هذه.

قال بالحرف: { أطلب منكم جميعاً: ألا تأخذوا كلامي كَمُسَلَّمَـات ولا كلام الشيوخ، بل أطلبكم أن تبحثوا بعد أن تنتهي الحلقة عن كل كلمة أقولها، فإن كان ما أقوله في هذه الحلقة صادقاً فعليكم بقبول نتائجه، وإن كان كاذباً فالمسئولية أيضاً عليكم أن تبعثوا لي الأدلة التي تُظهِر هذا الكذب }.(1)

وكانت أسئلة (رشيد) كالتالي:

1- هل فعلاً لقبت قريش محمداً بالصادق الأمين ؟

2- من قال هذا الكلام في قريش ؟

3- ومن نقل لنا هذا الكلام ؟

4- على أي شيءٍ اعتمد الشيوخ لترديد هذا اللقب ؟

5- هل هناك نصوص صادقة اعتمدوا عليها، أم هي مجرد دعاية لا تستند على أي أساس ؟

ثم قال رشيد: النصوص هي الحكم بيننا، وهي التي سَتُظْهِر الحق من الكذب، وهي التي سَتُظْهِر من هو الصادق الأمين.

ومن سوء حظ المدعو (رشيد) أنه يتعامل في شبهاته هذه مع أمة الإسلام العظيم التي كانت أَوَّلَ كلمةٍ نزلت مِنْ ربهم عزَّ وجلَّ على نبيهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي كلمة {اقْرَأْ}.(2)

فهي أُمَّةُ الْعِلْمِ والْقِرَاءَةِ والْبَحْثِ والتَّحْقِيقِ والتَّدْقِيقِ والدليل والبرهان.

وهي الأُمَّةُ الوحيدة التي يحوي كتابُها قولَه تعالى: { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }.(3)

وعَمَلاً بوصية (رشيد) سنفتح الكتبَ والمراجعَ للناس لِنكشفَ للجميع كيف يُدَلِّس النصراني (رشيد) على ضحاياه من مستمعيه ويخدعهم.

وللرد على (رشيد) أقول:

أولاً: نبينا محمد هو الصادق الأمين:

لقد بنى (رشيد) الحلقة بالكامل على جملة واحدة قالها وهي أنه لا توجد رواية واحدة صحيحة تقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُدعى الصادق الأمين.!

ومعنى هذا أننا لو أتينا برواية واحدة صحيحة تقول بذلك نكون قد دَمَّرْنَا حلقة رشيد كاملة بل ونكون أيضاً قد دمرنا مصداقية رشيد تماماً أمام مشاهديه.

قال الإمامُ الطَّحَاوِيُّ:

{ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَـانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَوَّامٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، حَدَّثَنَا مَوْلَايَ عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ بَنَى الْبَيْتَ، فَأَخَذْتُ حَجَرًا، فَكُنْتُ أَعْبُدُهُ، فَإِنْ كَانَ لَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ الشَّيْءُ، فَأَبْعَثُ بِهِ فَيُصَبُّ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُؤْتَى بِاللَّبَنِ الطَّيِّبِ فَأَبْعَثُ بِهِ فَيُصَبُّ عَلَيْهِ، وَإِنَّ قُرَيْشًا اخْتَلَفُوا وَتَشَاجَرُوا فِي الْحَجَرِ أَيْنَ يَضَعُونَهُ، حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ: انْظُرُوا أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: هَذَا أَمِينٌ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَمِينًا، فَقَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ، فَجَاءَ وَأَخَذَ ثَوْبًا وَبَسَطَهُ، وَوَضَعَ الْحَجَرَ فِيهِ، فَقَالَ لِهَذَا الْبَطْنِ، وَلِهَذَا الْبَطْنِ، وَلِهَذَا الْبَطْنِ: ” لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِنَاحِيَةِ الثَّوْبِ “، فَفَعَلُوا، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعَهُ فِيمَكَانِهِ }.(4)

وهذا حديث صحيح لا مطعن فيه ، توافرت فيه شروط الحديث الصحيح الخمسة.

وذكره الإمام أحمد في مُسْنَدِهِ فقال:

{ فَقَالُوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمـًا، قَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنَ الْفَجِّ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْأَمِينُ…}.(5)

وذكره الإمام الحاكم في المستدرك بلفظ:

{ فَقَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: الْأَمِينَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ رَضِينَا بِكَ }.(6)

ولاحظْ عزيزي القارئ أن الرواية نفسها تقول: {وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: الْأَمِينَ}

وهذا يعني أن هذا اللقب كانت قُرَيْشٌ بالفعل تُلَقِّبُ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم.

فلماذا يقول رشيد أنه لا توجد رواية واحدة صحيحة تقول أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يلقب بهذا اللقب ؟

هل لم يَرَ رشيد كُلَّ هذه الروايات ؟ ألم تَـمُـرَّ عليه قط ؟ لماذا لم يسأل رشيد أحدَ علماء المسلمين ؟ هل قرأ رشيد هذه الروايات ولكنه أخفاها عن مشاهديه ؟

لاشك أنه يتبع في هذا قول بولس الذي يقول:

{فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدْ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ}.(7)

فهذه عقيدة بولس ومن يصدقه من النصارى أمثال رشيد وهي: طالما أنك تدعو للإيمان المسيحي الذي يؤمنون به فلا بأس أن تكذب، لأنَّ في كذبك هذا زيادةً لمجد الله وصدق الله.!!!!

عقائد غريبة !!

وأما لقب الصادق فما أكثره في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة وقد شَهِدَ له به القاصي والداني ، الحبيب والعدو ، المسلم والكافر ، اسمـاً ووصفاً، فعلاً وقولاً.

فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم أعلم الناس به كانوا يلقبونه بهذا اللقب

فيقول عبد الله بن مسعود:

{حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ }.(8)

ويقول أبو هريرة:

{ سَمِعْتُ الصَّادِقَ المَصْدُوقَ صلى الله عليه وسلم }.(9)

وإليك رد جعفرَ بنَ أبي طالب على ملكُ الحبشة حينما سأله عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

روى الإمام أحمد في مسنده:

{ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، ” فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ }.(10)

بل ولما سأل هِرَقْلُ أبا سفيان قبل إسلامِه عن النبي صلى الله عليه وسلم

{ قَالَ: فَكَيْفَ صِدْقُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: كُنَّا نُسَمِّيهِ الأَمِينَ }.(11)

قد يقول رشيد أن هذه شهادة أصحابه الذين عاصروه وأحبوه فأين شهادة المشركين له بالصدق؟

فنقول: لما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته الشريفة المباركة وَجَمَعَ بطون قريش ونادى فيهم قائلاً: { أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟

قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا }.(12)

وفي رواية أخرى عند البخاري قال المشركون له: { مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا }.(13)

وهذه شهادة المشركين أنهم لم يـُجَـرِّبُوا عليه كذبةً واحدةً قَطُّ، ولم يروا منه إلا الصدق.

الله أكبر الله أكبر

هذا هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرسولُ النبيُّ الأمينُ الصادقُ.

ثانياً: الرد على أسئلة رشيد:

السؤال الأول: لماذا لم يُذكر لقبُ (الصادق الأمين) عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم في حين أنه ذَكَرَ قولَ المشركين فيه أنه ساحرٌ وكاهنٌ وكذابٌ ؟

وللرد على هذا السؤال أقول:

لماذا يُذكر لقبُ (الصادق الأمين) في القرآن الكريم وقد أجمع المشركون على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وما هي الحاجة إليه بعد أن شهد المشركون له بالصدق والأمانة؟

ومع ذلك أقول أنَّ القرآنَ الكريمَ ذَكَرَ آَياتٍ يَفهم منها كُلُّ عاقلٍ لبيبٍ صفةَ الصدق والأمانة للرسول صلى الله عليه وسلم.

مثل قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى }.(النجم 3،4)

وقوله: { ما زاغ البصر ولا طغى}.(النجم 17)

وقوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}.(الأنعام 33)

والآية القادمة خصوصاً تُعَدُّ صفعة على وجه رشيد:

قال تعالى: { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ}.(الزمر 33)

قال الإمامان الجلالان:

{وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “وَصَدَّقَ بِهِ” هُمْ الْمُؤْمِنُونَ.(14)

وأقول أن الأوصاف التي ذكرها الله في قرآنه الكريم على لسان المشركين ليقدحوا بها في رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي مجرد اتهامات كاذبة، وَصَفَ بها المشركون نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم. بمعنى أنها ليستْ ألقاباً ظَـلَّتْ ملتصقةً بالنبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته.

فلماذا يطالبنا رشيد بوجود لقب الصادق الأمين في القرآن الكريم، قياساً عليها ؟

السؤال الثاني: هل فعلاً لقبت قريش محمداً بالصادق الأمين ؟

نعم لقبت قريشٌ نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين كما وضحنا من الروايات.

السؤال الثالث: من قال هذا الكلام في قريش ؟

رواية الإمام أحمد تقول: قَالُوا: هَذَا أَمِينٌ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَمِينًا.

فلم تذكر الرواية اسم القائل تحديداً ، لكنها قالت: {قالوا} أي كلهم قالوا هذا الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم، وسأترك للقارئ أن يتخيل عَدَدَهُم مع العلم أن الرواية تقول: { وَإِنَّ قُرَيْشًا اخْتَلَفُوا وَتَشَاجَرُوا } وهذا يدل على كثرة عددهم آنذاك.

السؤال الثالث: من نقل لنا هذا الكلام ؟

أقول ان الذي نقل لنا هذا الكلام هم الرواة الثقات الأثبات، سواء الرجال

1- عبد الله بن السائب: صحابي جليل.

2- مجاهد بن جبر: تابعي جليل، قال الذهبي: أجمعت الأمة علي إمامته والاحتجاج به.

3- هلال بن خباب: ثقة، وَثَّقَهُ أحمد وأبو حاتم وابن معين والذهبي.

4- عباد بن العوام الكلابي: ثقة، وَثَّقَهُ أبو حاتم والبَزَّار وأبو داود والنَّسَائِيُّ وابن معين.

5- سعيد بن سليمان الواسطي: ثقة، وَثَّقَهُ أبو حاتم والعجلي وابن حجر العسقلاني وغيرهم.

6- بن أبي داود الأسدي: ثقة، قال أبو سعيد بن يونس المصري: أحد الحفاظ المجودين الأثبات.

وهذا إسناد صحيح متصل، لا مطعن فيه على الإطلاق.

السؤال الرابع: على أي شيءٍ اعتمد الشيوخ لترديد هذا اللقب ؟

السؤال الخامس: هل هناك نصوص صادقة اعتمدوا عليها، أم هي دعاية لا تستند على أساس؟

نعم اعتمد العلماء على الروايات الصحيحة الثابتة التي سبق أن ذكرتها واعتمدوا على غيرها كذلك.

وَأُحِبُّ أَنْ أُبَيِّنَ مسألة في غاية الأهمية وهي:

موقف العلماء الذين اعتمدوا على بعض الروايات مثل رواية مقاتل وغيرها.

أقول وبالله التوفيق أن رواية مقاتل تنقل حواراً بين رَجُلَينِ مشركَينِ، ولا ينبني على الرواية حكم شرعي، أو مسألة عقدية، أو أمر خطير، وسواءً كانت هذه الرواية صحيحة أم لا فهي لن تضيف شيئا إلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

فَإِنَّ صِدْقَهُ ثَابِتٌ لدينا بمئات وربما آلاف الأدلة العقلية والنقلية. لذلك نقول أن العلماء يتساهلون في مثل هذه الروايات وهي لا تخالف صحيح السنة النبوية، بل وهناك ما يشهد لها في السُّنة.

ثالثاً: كلام رشيد عن محمد ابن إسحاق:

أخذ رشيد يتكلم عن الإمام محمد بن إسحاق بن يسار ويطعن فيه مستخدما في ذلك كل أشكال الغش والتدليس والكذب والخيانة العلمية.

لا بحث ولا فحص ولا تحقيق ولا تدقيق، مجرد كلام مكتوب ومُدَوَّن في الكتب اعتمد عليه رشيد.!!

افترى رشيد على الإمام العَلَمِ الكبير محمد بن إسحاق، واستخدم بعضَ ما وَرَدَ في حق الرجل من كلامٍ ومُدَوَّن في الكتب، وسوف نذكر كل قول قَدَحَ به رشيد فالإمام محمد بن إسحاق ثم نرد عليه رداً علمياً قاطعاً.

قال رشيد أن الإمام مالك بن أنس اتهم الإمام محمد بن إسحاق بالكذب.

وهذا لِأَنَّ محمد بن إسحاق قال أنه سمع من فاطمة بنت المنذر امرأة هشام بن عروة وأنها حدثته، فأقسم هشام بن عروة بالله أنَّ ابن إسحاق لم يرها.

وكلاهما صادق محمد بن إسحاق وهشام بن عروة.

لأن فاطمة بنت المنذر حَدَّثَتْ محمد ابن إسحاق بالفعل، ولكن من وراء حجاب، فلم يرها.

قال الإمام عبد الحق الإشبيلي:

{ وَإِنَّمَـا كَذَّبَهُ مَالكٌ ؛ لِأَنَّهُ حَدَّثَ عَن فَاطِمَة بنتِ الْمُنْذر امْرَأَةِ هِشَام بن عُرْوَة ، وَزعم أَنَّهَا حدثته ، فَأنْكر هِشَام أَن يكون سمع من امْرَأَته أَو دخل عَلَيْهَا . وَبِهَذَا تَركه يحيى بن سعيد وَغَيره مِمَّن تَركه على مَا ذكره الْعقيلِيُّ }.(15)

وفي ذلك يقول الإمام الذهبي:

{ وما يدري هشام بن عروة فلعله سَمِعَ مِنْهَا في المسجد أو سَمِعَ منها وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ دَخَلَ عَلَيْهَا فَحَدَّثَتْهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فأي شيء في هذا وقد كانت امرأة قد كبرت وأسنت }.(16)

والعجيب أن الإمام الذهبي نفسه صاحب كتاب ميزان الاعتدال الذي يستدل منه رشيد قد رَدَّ على كل الشبهات التي قيلت في حق ابن إسحاق وأثبت براءته منها.

ولكن المدعو (رشيد) الذي يحترف الكذب ويمارسه ليزداد مجد إلهه حذف كل إجابات الذهبي على هذه الاتهامات، وذكر لنا الاتهامات مجردة دون الرد عليها.

وقال الإمام الذهبي:

{ مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَكُوْنَ يَحْيَى وَهَؤُلاَءِ بَدَا مِنْهُم هَذَا بِنَاءً عَلَى أَصلٍ فَاسِدٍ وَاهٍ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الخُرَافَةَ مِنْ صَنْعَةِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ الشَّاذَكُوْنِيُّ – لاَ صَبَّحَهُ اللهُ بِخَيْرٍ – فَإِنَّهُ – مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي الحِفْظِ – مُتَّهَمٌ عِنْدَهُم بِالكَذِبِ، وَانظُرْ كَيْفَ قَدْ سَلْسَلَ الحِكَايَةَ.

وَيُبَيِّنُ لَكَ بُطلاَنَهَا: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ المُنْذِرِ لَمَّا كَانَتْ بِنْتَ تِسْعِ سِنِيْنَ، لَمْ يَكُنْ زَوجُهَا هِشَامٌ خُلِقَ بَعْدُ، فَهِيَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِنَيِّفَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَسْنَدُ مِنْهُ، فَإِنَّهَا رَوَتْ – كَمَا ذَكرْنَا – عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ سَمِعَ مِنْهَا، وَمَا عَرَفَ بِذَلِكَ هِشَامٌ.(17)

ثم يعقب الإمام الذهبي ويقول:

{ أَفَبِمِثْلِ هَذَا القَوْلِ الوَاهِي يُكَذَّبُ الصَّادِقُ؟ كَلاَّ وَاللهِ، نَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الهَوَى وَالمُكَابِرَةِ}.(18)

ويقول الإمام الذهبي:

{ قُلْتُ: هُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ بِلاَ رَيْبٍ .. وقال: هِشَامٌ صَادِقٌ فِي يَمِيْنِه، فَمَا رَآهَا، وَلاَ زَعَمَ الرَّجُلُ أَنَّهُ رَآهَا، بَلْ ذَكرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْه، وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ عِدَّةِ نِسْوَةٍ، وَمَا رَأَيْتُهُنَّ. وَكَذَلِكَ رَوَى عِدَّةٌ مِنَ التَّابِعِيْنَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمَا رَأَوْا لَهَا صُوْرَةً أَبَداً }.(19)

· قال رشيد أن الإمام محمد ابن إسحاق قدري يعتقد عقيدة الفرقة القدرية.

ونقل لنا رشيد هذا الكلام من كتاب ميزان الاعتدال.!

مع أن الإمام الذهبي نفسه نفى هذه التهمة عن ابن إسحاق في نفس الكتاب.!

قال الإمام الذهبي:

{ قال: مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ: ابْنُ إِسْحَاقَ رُمِىَ بِالقَدَرِ، وَكَانَ أَبعَدَ النَّاسِ مِنْهُ }.(20)

· قال رشيد أن الإمام محمد ابن إسحاق يأخذ عن أهل الكتاب.

وقد رد الإمام الذهبي على هذه الشبهة أيضا في نفس الكتاب

قال الإمام الذهبي:

{ وقال ابن ابي فديك رأيت ابن إسحاق يكتب عن رجل من أهل الكتاب.

قلت: ما المانع من رواية الإسرائيليات عن أهل الكتاب مع قوله صلى الله عليه وسلم: {حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ وَلَا حَرَج } وقال: { إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ } فهذا إذن نبوي في جواز سماع ما يأثرونه في الجملة كما سمع منهم ما ينقلونه من الطب ولا حجة في شيء من ذلك إنما الحجة في الكتاب والسنة }.(21)

· قال رشيد أن الإمام محمد ابن إسحاق يسامر النساء في آخر المسجد.

ونقل لنا رشيد هذا الكلام من كتاب معجم الأدباء لياقوت الحموي.!

ولكن لان رشيد لم يتعود على الأمانة العلمية فلم ينقل مَن هو قائل هذا الكلام الساقط.!

ولو ذكر رشيد جملة واحدة قبل ذكره لهذا الكلام لانكشف كذبه وتدليسه، لان قائل هذا الكلام هو الواقدي وهو متروك الحديث عند العلماء. ثم هل يُجرَّح الثقة بكلام المتروكين ؟

قال ياقوت الحموي:

{ وحدث فيما أسنده إلى الواقدي قال: كان محمد بن إسحاق يجلس قريباً من النساء في مؤخر المسجد فيروي عنه أنه كان يُسامر النساء، فرفع إلى هشام وهو أمير المدينة وكانت له شعرة حسنة

فرقق رأسه وضربه أسواطاً ونهاه عن الجلوس هنالك وكان حسن الوجه }.(22)

وبهذا نرى أن المدعو رشيد كذابٌ أَشِرٌ لا يقل كذباً وضلالاً عن سيده بولس.

ونذكر للقارئ الكريم كلام أهل العلم عن محمد ابن إسحاق والذي أخفاه رشيد عن مشاهديه:

قال الإمام الذهبي:

العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ، الأَخْبَارِيُّ .. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ العِلْمَ بِالمَدِيْنَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَالِكٍ وَذَوِيْهِ، وَكَانَ فِي العِلْمِ بَحْراً عَجَّاجاً، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالمُجَوِّدِ كَمَا يَنْبَغِي.

قَالَ المُفَضَّلُ الغَلاَبِيُّ: سَأَلْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَقَالَ: كَانَ ثِقَةً، حَسَنَ الحَدِيْثِ.

عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لاَ يَزَالُ بِالمَدِيْنَةِ عِلْمٌ مَا بَقِيَ هَذَا – عَنَى: ابْنَ إِسْحَاقَ.

قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: مَدَارُ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سِتَّةٌ:…، فَذَكَرهُم، ثُمَّ قَالَ:

فَصَارَ عِلْمُ السِّتَّةِ عِنْدَ اثْنَيْ عَشَرَ: أَحَدُهُم مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُوْلُ: لاَ يَزَالُ بِالمَدِيْنَةِ عِلْمٌ جَمٌّ مَا دَامَ فِيْهِمُ ابْنُ إِسْحَاقَ.

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حينما سُئِلَ عَنْ مَغَازِي بن إسحاق فَقَالَ: هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا، يَعْنِي: ابْنَ إِسْحَاقَ.

وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي المَغَازِي، فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ.

قَالَ عَاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ: لاَ يَزَالُ فِي النَّاسِ عِلْمٌ مَا عَاشَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ.

وقال هَارُوْنُ بنُ مَعْرُوْفٍ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ يَقُوْلُ: كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ.

فَكَانَ إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ خَمْسَةُ أَحَادِيْثَ أَوْ أَكْثَرُ، فَاسْتَودَعَهَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: احْفَظْهَا عَلَيَّ، فَإِنْ نَسِيتُهَا، كُنْتَ قَدْ حَفِظتَهَا عَلَيَّ.

قال الذهبي: قَدْ كَانَ فِي المَغَازِي عَلاَّمَةً.

قال ابْنُ المَدِيْنِيِّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ وَسُئِلَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: لِمَ لَمْ يَروِ أَهْلُ المَدِيْنَةِ عَنْهُ ؟فَقَالَ: جَالَسْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ مُنْذُ بِضْعٍ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً، وَمَا يَتَّهِمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ المَدِيْنَةِ، وَلاَ يَقُوْلُ فِيْهِ شَيْئاً.(23)

وأقول للمدعو رشيد: إن أمة الإسلام هي أمة الدقة والأمانة والعلم والدليل والبرهان.

وهذا ما ردده كبار المستشرقين كثيراً.

يقول المستشرق كارل بروكلمان:

{ لقد نقل إلينا المسلمون كل ما قام به النبيُ من أعمال ، صغيرةً كانت أَمْ كبيرةً ، في هذه الأيام ، بدقة وإسهاب }.(24)

ثالثاً: كلام رشيد عن زياد البكائي:

قال رشيد أن زياداً البَكَّائِيَّ راوي السيرة عن محمد بن إسحاق ضعيف، وعرض لنا كلاماً لبعض أئمة النقد نقله رشيد من كتاب سير أعلام النبلاء ولكن رشيد الكذاب الخائن للأمانة اقتطع أيضاً كلام العلماء الذين يمدحون البكائي في نقله لسيرة بن إسحاق.!! وَكَأَنَّ الكذب يسري في دمه.

قال الإمام الذهبي:

البَكَّائِيُّ زِيَادُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الطُّفَيْلِ

{ الشَّيْخُ، الحَافِظُ، المُحَدِّثُ، أَبُو مُحَمَّدٍ زِيَادُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الطُّفَيْلِ العَامِرِيُّ، البَكَّائِيُّ، الكُوْفِيُّ، رَاوِي (السِّيْرَةِ النَّبَوِيَّةِ) عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ.

قَالَ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ إِدْرِيْسَ: مَا أَحَدٌ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ أَثْبَتُ مِنْ زِيَادٍ البَكَّائِيِّ؛ لأَنَّهُ أَمْلَى عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ مَعِيْنٍ: ثِقَةٌ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ. وَرَوَى: عَبَّاسٌ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَدْ كَتَبتُ عَنْهُ المَغَازِي. وَقَالَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ: لاَ أَرْوِي عَنْهُ شَيْئاً.

وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ: هُوَ نَفْسُهُ ضَعِيْفُ الحَدِيْثِ، لَكِنَّهُ مِنْ أَثبَتِ النَّاسِ فِي المَغَازِي، بَاعَ دَارَهُ، وَخَرَجَ يَدُورُ مَعَ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: صَدُوْقٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لاَ يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَثِيْرُ المَنَاكِيْرِ }.(25)

إذاً فالعلماء يُضَعِّفُونَ زياداً البكائيَّ في روايته عن غير ابن إسحاق، ولكنهم أجمعوا على أنه أوثق الرواة عن محمد ابن إسحاق.

فلماذا خَدَعَ رشيد مشاهديه وأوهمهم أن الرجل ضعيف على الإطلاق ؟ ولماذا لم يَذْكُرْ كُلَّ كلام أهل العلم فيه ليبين للناس الحقيقة ؟

رابعاً: كلام رشيد حول منهج التحقيق عند المسلمين ورواية مقاتل:

قال رشيد أن شيوخ الإسلام كلما وجدوا رواية تمدح محمداً صلى الله عليه وسلم صدقوها ونقلوها للناس بغض النظر عن صحتها أو ضعفها. وإذا وجدوا رواية تقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ردوها وكذبوها حتى لو كانت صحيحة.!

ونحن الآن سنثبت للقارئ الكريم أن ما اتهم به رشيد شيوخَ الإسلام موجود فيه هو فقط.

رشيد أتى ببعض كلام لأهل العلم يضعفون فيه محمد ابن إسحاق وَرَدَّدَ كثيراً في الحلقة قوله: “كيف يأخذ المسلمون روايات ابن إسحاق وهو كذاب”

قلت: إذا كان رشيد يعتبر الإمام محمد ابنَ إسحاق كذاباً، فلماذا يستدل رشيد بروايات ابن إسحاق في حلقاته ؟ أليس هذا انفصاماً في شخصيته ؟ ألم يقع في ما ينكره رشيد على الشيوخ والعلماء؟

ففي الحلقة رقم 248 من برنامج سؤال جريء بعنوان “المرتدون الأوائل” استدل رشيد برواية رواها ابن إسحاق في كتابه السيرة النبوية لمجرد أنها توافق هواه وتقول أن عبيد الله بن جحش قد تنصَّر. واستدل رشيد بهذه الرواية ليوحي للمشاهدين أن الناس يرتدون عن الإسلام ويتركونه.!

قال الإمام ابن هشام:

{ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ ، قَالَ كَانَ عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ حِين تَنَصَّرَ يَمُرّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَيَقُولُ فَقَّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ أَيْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتَمِ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ }.(26)

وقد أثبتنا في حلقتنا للرد على رشيد كذب ادعائه بتنصر عبيد الله بن جحش، وأثبتنا أن هذه الرواية لا تصح عنه مطلقاً.

أقول: نحن المسلمين لنا منهج معين ومحدد في تنقيح كتبنا فلا نحيد عنه، ومن هذا المنهج ان العلماء إذا رَوَوا في العقائد والأحكام شددوا، وإذا رَوَوْا في التاريخ والسِّيَرِ تساهلوا، بشرط ألا تكون الروايات مخالفة للأصول والثوابت عندنا.

فرواية مثل رواية مقاتل لا ينبني عليها عمل ولا ينبني عليها اعتقاد، لأن المسلمين يعلمون أن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه صادق أمين بل هو سيد الصادقين سواء لَقَّبَتْهُ قريشٌ بذلك أم لا.

ثم نقول أن هذه الرواية ليست على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولا على لسان أصحابه، وإنما هي كلام للمشركين مع بعضهم البعض، فلن يضرنا ولن ينفعنا إذا رددناه أو قبلناه.

ثم ما الذي أدرى رشيد أن مقاتل الذي ذكر القرطبي عنه الرواية هو مقاتل بن سليمان ؟!

الإمام القرطبي في تفسيره يذكر أقوالاً ورواياتٍ أيضاً عن مقاتل بن حيان.

فكيف عَرَفَ وَجَزَمَ العَلَّامة رشيد أن الرواية عن مقاتل بن سليمان وليس مقاتل بن حيان ؟؟

ثم لو كانت الرواية عن مقاتل بن سليمان فلماذا لم ينكر رشيد على القمص زكريا بطرس حينما كان يستدل من تفسير مقاتل بن سليمان في حلقاته. ولقد رددنا عليه كذلك في هذه الحلقة.(27)

فإذا كان مقاتل بن سليمان كذاباً عندكم فلماذا تستدلون برواياته علينا ؟

خامساً: لماذا ينفي رشيد لقب الصادق الأمين عن النبي:

يُنْكِرُ رشيد ومَنْ على شاكلته لقب الصادق الأمين عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لسببين أساسيين وهما:

الأول: عقيدتهم في الأنبياء لا تتضمن مدحهم والثناء عليهم.

الثاني: نفي نبوءة سفر رؤيا يوحنا 19 – 11 عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فأما السبب الأول: فعقيدة النصارى في الأنبياء أنهم زناة سارقون فكيف يمدحونهم أصلاً ؟

ففي كتابهم أن نبي الله داود عليه السلام وقع في الزنا والعياذ بالله وأن نبي الله سليمان عليه السلام كفر بالله وسجد للأصنام وأن أبشالوم ابن داود زنا بنساء أبيه داود والعياذ بالله.!!

يقول كتاب النصارى على لسان يسوع:

{ جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلَكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ }.(28)

وهذا النص الغريب يقدح في جميع أنبياء الله قدحاً صريحاً مباشراً

وعلى هذا الأساس يؤمن النصارى أنَّ الأنبياء ليس من بينهم شخص محترم.!

فقد أَكَّدَ بولس لهم على هذا المعنى فقال:

{ الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ }.(29)

وقال أيضاً: { كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ }

مع العلم أن كلام بولس ويسوع يتناقض صراحةً مع ما جاء في إنجيل لوقا حيث قال:
{ كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا .. وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ، وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ}.(30)

إلا أنها دعوة صريحة لرفع التوقير والاحترام الواجب لأنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه.!!

وأما السبب الثاني: أراد رشيد بهذه الحلقة نفي بشارة سفر رؤيا يوحنا والتي تتحدث عن رجل سيحكم ويحارب ويُدعى الصادق الأمين.

وإليكم نص البشارة:

{ ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَـاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِيناً وَصَادِقاً، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ }.(31)

وقد حاول الكثير من مُفَسِّرِي كتاب النصارى في محاولة يائسة أن يحشروا يسوع في هذه النبوءة

فيقول أنطونيوس فكري:

{ هذا هو المسيح يسوع ظهر على فرس أبيض = علامة أن المسيح يحارب، والفرس الأبيض هو كنيسته التي بررها ويحارب بها وفيها. وهو أمينا وصادقا = وعد بنصرة كنيسته وتكليلها وسيفعل. عيناه كلهيب نار = تفحص حتى أستار الظلام، وتحرق أعداء الكنيسة وترعبهم }.(32)

ولستُ أدري متي وأين حارب المسيح في كتابهم ؟ ومتى وأين دُعِيَ أميناً صادقاً.

كعادة النصارى نجدهم دائما وأبداً حريصين على تحريف كل نبوءة موجودة في كتابهم ليفصلوها على المسيح سواء عن طريق تحريف المعاني أو لَيِّ أعناق النصوص، أو حشر أي معاني من رؤوسهم، المهم ألا تكون النبوءة عن نبي المسلمين بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

تتحدث هذه النبوءة عن رجل:

1- يُدْعَى أميناً.

2- يُدْعَى صادقاً.

3- عادل.

4- يحكم.

5- يحارب.

وكل هذه الصفات لا تنطبق إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

فأما أنه يُدعى أميناً وصادقاً فقد أثبتناه من الروايات الصحيحة.

وأما عن عدله فهذا معلوم ونذكر في ذلك قصة المرأة المخزومية

روى الإمام البخاري:

{ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَـا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا }.(33)

وهذه قمة العدل، لأنه سيقيمه أول ما يقيمه على ابنته لو سرقت، وحاشاها.

وأما عن حُكْمِه فهذا معلوم للجميع فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قائداً وحاكماً

فقد كان يحكم الناس ويقضي بينهم كما أمره بذلك ربه تبارك وتعالى:

{ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا }.(34)

وأمَّا عن الحرب فهو النبي المحارب العظيم الذي ترتجف أمامه أقسى القلوب وأشجع الشجعان والذي كان مؤيدا بالنصر من الله.

روى الإمام أحمد في مسنده:

{ عن الْعَبَّاسِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَعَهُ إِلا أَنَا، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَزِمْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ نُفَارِقْهُ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ ، – وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: بَيْضَاءَ – أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نَعَامَةَ الْجُذَامِيُّ فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: أَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُفُّهَا ، وَهُوَ لَا يَأْلُو مَا أَسْرَعَ نَحْوَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِغَرْزِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يَا عَبَّاسُ، نَادِ يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ ” قَالَ: وَكُنْتُ رَجُلًا صَيِّتًا فَقُلْتُ: بِأَعْلَى صَوْتِي أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ ؟ قَالَ: فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا . فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ، وَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ، فَنَادَتِ الْأَنْصَارُ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قَصَّرَتِ الدَّاعُونَ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَادَوْا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ “، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَاتٍ ، فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: ” انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ “، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَمَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَصَيَاتِهِ ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا ، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا حَتَّى هَزَمَهُمِ اللهُ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ }.(35)

فنبينا محمد هو الصادق المصدوق، الأمين المؤتمن، الحاكم العادل المحارب العظيم فداه أبي وأمي وروحي ونفسي وولدي.

كان هذا ردي على حلقة المدعو رشيد.

فإن أصبت فهذا محض توفيق الله تبارك وتعالى، وإذا أخطأت فهذا مني ومن الشيطان.

والله ورسوله منه براء، وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين

مراجع البحـث:

(1) برنامج سؤال جريء حلقة رقم 305 .

(2) صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ص7 ح3 ط دار بن كثير- بيروت.

(3) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية 111، تنزيل من حكيم حميد.

(4) شرح مُشْكِل الآثار للإمام أبي جعفر الطحاوي ج14 ص240 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

(5) مُسند الإمام أحمد بن حنبل ج24 ص262 ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط وآخرون.

(6) المستدرك على الصحيحين للإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري ج1 ص628 ط دار الحرمين – مصر، ت: مقبل بن هادي الوادعي.

(7) كتاب النصارى – رسالة بولس إلى أهل رومية فصل3 عدد7 ص254 ط دار الكتاب المقدس – القاهرة.

(8) صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ص819 ح3332 ط دار بن كثير- بيروت.

(9) صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ص887 ح3605 ط دار بن كثير- بيروت.

(10) مُسند الإمام أحمد بن حنبل ج3 ص266 ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط وآخرون.

(11) حديث أبي الفضل الزهري رواية أبي محمد الجوهري ج2 ص511 ط أضواء السلف – الرياض، ت: حسن محمد علي البلوط.

(12) صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ص1270 ح4971 ، ط دار بن كثير- بيروت.

(13) صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ص1196 ح4770 ، ط دار بن كثير- بيروت.

(14) تفسير الإمامين الجلالين السيوطي والمحلي ص462 ، ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

(15) الأحكام الكبرى للإمام عبد الحق الأشبيلي ج2 ص201 ، ط مكتبة الرشد – الرياض، ت: أبو عبد الله حسين بن عكاشة.

(16) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج6 ص58 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(17) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج7 ص49 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(18) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج7 ص50 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(19) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج7 ص38 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(20) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج6 ص57 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت

(21) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج6 ص58 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(22) معجم الأدباء لياقوت الحموي ج16 ص2419 ، ط دار الغرب الإسلامي – بيروت ، ت: د/ إحسان عباس.

(23) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج7 ص35 وما بعدها ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(24) كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية للمستشرق كارل بروكلمان ص66 ، ط دار العلم للملايين – بيروت.

(25) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج7 ص38 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(26) السيرة النبوية للإمام أبي محمد عبد الملك بن هشام ج1 ص164 ، ط دار الحديث – القاهرة.

(27) برنامج حوار الحق للقمص زكريا بطرس الحلقة رقم 110 http://www.youtube.com/watch?v=Dln9F2O0yJg

(28) كتاب النصارى – إنجيل يوحنا فصل10 عدد8 ص169 ط دار الكتاب المقدس – القاهرة.

(29) كتاب النصارى – رسالة بولس إلى أهل رومية فصل3 عدد7 ص254 ط دار الكتاب المقدس – القاهرة.

(30) كتاب النصارى – إنجيل لوقا فصل1 عدد6 ص91 ط دار الكتاب المقدس – القاهرة.

(31) كتاب النصارى – سفر رؤيا يوحنا فصل19 عدد11 وما بعده ص427 ط دار الكتاب المقدس – القاهرة.

(32) تفسير أنطونيوس فكري – تفسير رؤيا يوحنا ص193 ط كنيسة السيدة العذراء بالفجالة – القاهرة.

(33) صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ص861 ح3475 ط دار بن كثير- بيروت.

(34) القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 105، تنزيل من حكيم حميد.

(35) مُسند الإمام أحمد بن حنبل ج3 ص296 ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط وآخرون.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

لمشاهدة الرد على الشبهة مصورا

http://antishubohat.com/watch/video/media-17

%d مدونون معجبون بهذه: