أرشيف المدونة

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث
نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَن والاه، وبعد:
هذه سلسلة الردود العلمية على شبهات النصارى حول القرآن الكريم.
زعم هؤلاء أن القرآن الكريم ذهب منه الكثير، وهذا يدل على تحريفه !!
واستدلوا بما رواه أبو عبيد، قَالَ:
[ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلَّهُ! قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهْرَ مِنْهُ].(1)
وللرد على هذا الافتراء أقول:
أولا: الرواية صحيحة:
هذه الرواية صحيحة، ولا إشكال مُطلقًا فيها سَنَدًا ولا مَتْنًا.
فأما السند فصحيح متصل بين سعيد بن منصور وبين ابن عمر رضي الله عنهما.
وأما المتن فلا غبار عليه كما سيأتي.
ثانيا: الرواية ذكرها أبو عبيد تحت باب:
بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ”.
إذًا بهذه الرواية وغيرها عَلِمْنَا أَنَّ هناك آياتٍ نَزَلَتْ على النبيِّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ، ثُمَّ نُسِخَتْ وَرَفَعَهَا اللهُ سبحانه، وهذا الحديث يدخل تحت هذا النَّسْخ باتفاق كُلِّ الْعُلَمَـاء بِلَا مخالف.
ولذلك لم يكتبها الصحابة في المصاحف، وأكرر مرة أخرى أنه لا يوجد مُخَالِفٌ في هذه المسألة.
فَإِذَا كان الإمام أبو عبيد روى هذه الرواية تحت هذا: { بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ } ؛ فلا ينبغي أن يخرج علينا جَاهِلٌ مُتَعَالِمٌ وَيَدَّعِي ضَيَاعَ شَيءٍ من القرآن الكريم مُسْتَدِلًّا بهذه الرواية.
وإليك باقي كلام العلماء الذي يوافق أبا عبيد في هذه المسألة.
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَقَدْ أخرج ابن الضريس من حَدِيث بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَيَقُولُ إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ”،  وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ].(2)
قال الحافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السِّيُوطِيُّ:
[ الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ .. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ].(3)
فالحافظ السيوطي ذَكَرَ لنا نوعًا من أنواع النسخ ، وضرب لنا المثال على هذا النوع بهذه الرواية.
قال الْعَلَّامَةُ الْأَلُوسِيُّ:
[ أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنا كما هو موجود بين الدفتين اليوم، نعم أَسْقَطَ الصديق ما لم يتواتر وما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ .. وعليه يُحْمَلُ ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر، والروايات في هذا الباب أكثر من أَنْ تُحْصَى إِلَّا أَنَّهَا محمولة على ما ذكرناه].(4)
أما محقق سنن سعيد بن منصور فقد وَضَّحَ المقصودَ من الرواية، فقال:
[ ” أخذت القرآن كله ” أي: كُلُّ ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وما اسْتَقَرَّ مَتْلُوًّا ، ” ذهب منه قرآن كثير ” أي: سقط منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أُسْقِطَ في الجمعينِ الْـمُجْمَعِ عليهما بَعْدَه لِعَدَمِ استيفائه شروطَ ثُبُوتِ قرآنيته حَسْبَ الْعَرْضَةِ الأخيرة وشروطا أخرى غيرها ].(5)
ثالثًا: ابن عمر كان يؤمن باستحالة تغيير القرآن أو تحريفه:
أليس بحسب فهم النصارى للرواية التي نبحث فيها يكون عبد الله بن عمر مُؤْمِنًا بجواز التغيير والتبديل في القرآن الكريم ؟! فلماذا نجد عبد الله بن عمر يؤمن بخلاف ذلك ؟!
روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين:
[ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثنا أَبُو النُّعْمَانِ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، ثنا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ: أَطَالَ الْحَجَّاجُ الْخُطْبَةَ فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ ، فَقَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: ” لَا يَسْتَطِيعُ ذَاكَ أَنْتَ وَلَا ابْنُ الزُّبَيْرِ { لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } [يونس: 64] فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا إِنْ نَفَعَكَ “،  هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ].(6)
والرواية توضح بجلاء تام أن ابن عمر كان يؤمن أنه لا أحد يستطيع تغيير القرآن وتبديله !!
رابعًا: النبي لم يَتْرُكْ إِلَّا القرآنَ الموجودَ بين أيدينا فقط:
النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بعد وفاته إلا ما بين الدفتين أي ما بَيْنَ الجِلْدَتَيْنِ.
وهذا ما رواه البخاري عن أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم وأحد علماء التابعين:
فقد روى البخاري في صحيحه:
[ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ: فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ].(7)
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ].(8)
قال بَدْرُ الدين الْعَينِيُّ:
[ وَقد ترْجم لهَذَا الْبَاب للرَّدّ على الروافض الَّذين ادّعوا أَن كثيرًا من الْقُرْآن ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ وَأَن التَّنْصِيص على إِمَامَة عَليّ بن أبي طَالب واستحقاقه الْخلَافَة عِنْد مَوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ثَابِتًا فِي الْقُرْآن ، وَأَن الصَّحَابَة كَتَمُوهُ ، وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة وحاشا الصَّحَابَة عَن ذَلِك. قَوْله: (إلاَّ مَا بَين الدفتين) أَي: الْقُرْآن].(9)
خامسًا: القرآن يستحيل أن يضيع منه شيء:
وقد وعد الله أمة نبيه أنه سيحفظ هذا الكتاب الكريم فلا يضيع منه شيء أبدا
{..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ * تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.(10)
فكتاب ربنا تبارك وتعالى باقٍ كما هو، لم يـُحرَّفْ وَلم يُبدِّلْ تحقيقًا وتصديقًا لموعود الله تبارك وتعالى بحفظه.
ولأجل ذلك وضع الله عز وجل في هذا الْكِتَابِ من الدلائل الباهرة ما يجعله مستحيل التحريف والتبديل. بل هو الكتاب الوحيد على وجه الأرض الذي يمكن كِتَابَتُهُ من الذاكرة والحِفْظ.
فلو فرضنا أن كل الكتب والمصاحف ضَاعَتْ وَانْدَثَرَتْ لِسَببٍ ما، فلنْ يستطيعَ أهلُ دِينٍ أو مِلَّةٍ أَو نِحْلَةٍ أَنْ يكتبوا كِتَابهم مرة أخرى إلا المسلمون فقط!!
فليس كتابُنا ككتب غيرنا من اليهود والنصارى.
سادسًا: من فمك أدينك أيها العبد الشرير:

على النصراني صاحب الشبهة أن يحاول حل المشاكل كتابه التي لا حلول لها

تقول نسخة الترجمة الرهبانية اليسوعية:
[إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة, بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية، ولكن عددها كثيرٌ جدا على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها … ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مرّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر. فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مُثْقَلًا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات].(11)
يقول النصراني رياض يوسف داود:
[ كان الكِتَابُ يُنسخ نَسْخَ اليَدِ في بداية العصر المسيحي وكانوا ينسخون بأدوات كتابة بدائية عن نُسَخٍ منسوخةٍ، ولقد أدخل النُسّاخُ الكثيرَ من التبديل والتعديل على النصوص وتراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر مثقلاً بألوان التبديل التي ظهرت في عدد كبير من القراءات، فما إن يصدر كتاب جديد حتى تنشر له نُسْخَاتٌ مشحونة بالأغلاط].(12)

فهل مَنْ كان هذا حال كِتَابُهُ يحق له أَنْ يتطاولَ بلا دَلِيلٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَلَا بُرْهَانٍ عَلَى أَشْرَفِ الْكُتُبِ وَأَحْكَمِهَا وَأَضْبَطِهَا وأوثقها ؟!
وبهذا يتبين لكل عاقل أن القرآن الكريم هو أوثق كتاب على وجه الأرض، وأن الذين يتهمون القرآن الكريم بالتحريف يعرفون أن كتابهم كتاب محرف مبدل، ولكنهم يريد إشغال المسلمين بهذه الشبهات والافتراءات لصرف الأنظار عن تحريف كتابهم الذي يسمونه بالكتاب المقدس!!

مراجع البحث:
(1)  فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ص320 ، ط دار ابن كثير – دمشق – بيروت.
(2)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص253 ، ط دار طيبة ، ت: نظر محمد الفاريابي.
(3)  الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454 ، ط مجمع الملك فهد – السعودية ، ت: مركز الدراسات القرآنية. قوله: الضرب = النوع.
(4)  تفسير روح المعاني للإمام الألوسي ج1 ص25  ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.
(5)  سنن سعيد بن منصور ج2 ص433 ط دار الصميعي – الرياض ، ت: الدكتور سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد.
(6)  المستدرك على الصحيحين للحاكم  ح3360 ، ج2 ص403، ط دار الحرمين – القاهرة.
(7)  صحيح البخاري ص1282 ح5019 ، ط دار بن كثير – بيروت.
(8)  فتح الباري للإمام بن حجر العسقلاني ج11 ص251 ، ط دار طيبة – القاهرة ، ت: محمد نظر الفَاريابي.
(9)  عمدة القاري للإمام بدر الدين العيني ج20 ص52 ، ط دار الكتب العلمية ، ت: عبد الله محمود محمد عمر.
(10)  القرآن الكريم ،سورة فصلت ، الآيتان (41 ، 42) .
(11)  مدخل إلى النقد الكتابي للمهندس رياض يوسف داود ص23 ط دار المشرق –  بيروت.
(12)  الترجمة الرهبانية اليسوعية – مقدمة العهد الجديد ص12 ، 13 ، ط دار المشرق –  بيروت.


تمت بحمد الله
كتبه أبو عمر الباحث
غفر الله له ولوالديه
صباح الأربعاء يوم 15 من جمادى الأول لعام 1439 هجريا
الموافق 10 يناير لعام 1018 ميلاديا

 

Advertisements

هل كان ابنُ تيمية يحقِد على عليِّ بن أبي طالب؟

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

مفتي الإباضية أحمد الخليلي في ميزان البحث العلمي

 

هل كان ابنُ تيمية يحقِد على عليِّ بن أبي طالب؟!  حلقة (11)!

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَن والاه، وبعد:

 فهذا الجزءُ الحادي العَشَر مِنْ سِلْسِلَةِ الردودِ الْعِلْمِيَّةِ عَلَى شُبُهَات وافتراءات مُفْتِي الإباضية الشيخ أحمد الخليلي هدانا الله وإياه ، وبيانِ مَنْهَجِهِ المُخَالِفِ لِكِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، بل وحَتَّى مخالفاته لمنهج محققي الإباضية!

وَفيه تَفْنِـيد شبهاته حَوْلَ الإمام الكبير والشيخ الجليل ابن تيمية رحمه الله.

يقول الخليلي في كِتَابِهِ الاسْتِبْدَاد:

[ومع تقادم العهد، بقي ابن تيمية ـ مع محاولته طي ما في نفسه عن الناس- تنفلت منه عبارات، تشي عما يعتمل بين حناياه من الحقد على أبي السبطين – كرم الله وجهه، حتى أنه شبهه بفرعون، حيث قال: «ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء المسلمين ، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رياسته، وقد قال النبي لي : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وقال: «ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» فيكون عليٌّ كافرًا لذلك؛ لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم، لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة، وأيضا فيقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدا للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، والله تعالى يقول”تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نجَعَلَها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَسَادًا وَالْعاَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة].(1)

قلت:

لو أردنا أن نَضرِبَ مِثالًا وَاضِحًا صريحًا على الخِيَانَة العِلْمِيَّـة والتدليس وانعدام الفهم والتخبُّطِ لما وجدنا أفضل من كلام الخليلي السابق كمثال صريح على ذلك ! ولعلَّ هذا من أعراض الشيخوخةِ !

فقد حَكَوْا أنَّ طالِبًا من طُلَّاب أبي الحسن الإشبيلي سأله قائلًا: يا أستاذ، ما الكَمَوْج؟!

فقال له أبو الحسن : وأين رأيتَ هذه اللفظة؟!

قال: في قول امرئ القيس: ولَيلٍ كَمَوجْ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ .

فقال له أبو الحسن : الكموج : دويبة من دواب البر، تحمل الكتب ولا تعلم ما فيها .أهـ

فالخليلي اعتبر كلام ابن تيمية هذا حِقْدًا يعتمل بين حناياه على علي بن أبي طالب رضي الله عنه!!

مع أن ابن تيمية لم يُرِدْ مَا فَهِمَه مُفتي الأباضية على الإطلاق!

وغالب ظني أن الخليلي نقل هذه الشبهات المضحكة من صفحات الرَّافِضَة على الإنترنت، فهذه السَّخَافَاتُ لا تخرج إلا من عند الرافضة!

وشيخ الإسلام ابن تيمية ليس مَسئولًا عَمَّنْ يَقرأ كلامَه ولا يفهمه!

المهم أن الخليلي وصف كلام ابن تيمية بما قال ، لكنَّ الخليليَّ لم يعتبرْ شَتْمَ عُلَمَاءِ الأباضيةِ الصَّرِيحَ لعليِّ بن أبي طالب وتكفيرَهُم له حِقْدًا يَعْتَمِلُ بين حناياهم! وهاك شيئا من أقوالهم

أولا:

سَبُّ وشَتْمُ علماءِ الأباضية لعلي بن أبي طالب وتكفيرهم له:

 يقول إمامُ الأباضية أبو سَعِيد الكُدَمِي:

 [ وقد أظهرت الحُجَّةُ عليَّ بنَ أبي طالب بالنكير بمفارقتهم له (أهل النهروان)، واعتزالهم عنه ، ومحاربتهم له ، إذْ أراد حربَهم على ذلك ، وبالواحِدة من ذلك تقوم عليه الحُجَّةُ ، ولو كان مُحِقًّا

واحتمل حقه وباطله ، فإنكار الحُجَّة عليه مُزِيلٌ لِعُذْرِهِ ، مُوجِبٌ لِضَلَالِهِ وكُفْرِهِ ].(2)

 وأبو سعيد الكُدَمِيُّ هذا يلقبه الخليليُّ مُفْتِي الأباضية بأنه إمامُ المذهب بلا منازع !!

فالكُدَمِيُّ هذا يتهم أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب بالضلال والكفر، ومع ذلك لم ير الخليلي حَنَايَا كُدَمِيِّهِ تعتمل على حِقْدٍ أو ما شابه ، لكنه فقط فهم كلام ابن تيمية بالمقلوب ثم قال ما قال!

 ويقول كتاب السير والجوابات:

 [ وكذلك عليٌّ أَمَرَهُ الله بقتالهم فلا يحل له ترك ذلك ولا تحريمه منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولا يحكم أحدًا منهم ولا فيهم بعد أن فرّق الله بينه وبينهم. فهذا دليل على كُفْر عليٍّ وضلاله، وصواب أهل النهروان وعدلهم ].(3)

أما شيخُ الأباضية محمد بن إبراهيم الكنديُّ فيعلن براءته من عليٍّ قَائِلًا:

 [ وَبَرِئْنَا بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ من أهل القبلة الذين هم من أهل القبلة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وجميع من رضي بحكومة الحكمين، وترك حكم الله إلى حكومة عبد الملك بن مروان وعبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف وأبي جعفر والمهدي وهارون وعبد الله بن هارون، وأتباعهم وأشياعهم ومَنْ تَوَلَّاهُم على كُفْرِهِمْ وَجَورِهِمْ من أهل الْبِدَعِ وَأَصْحَابِ الهوى.

قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: نوافِقُهم على هذا، والبراءة ممن سَمَّـاه].(4)

إذا فعلماءُ الأباضية يتبرؤون  من عليِّ بن أبي طالب، ويتهمونه بالجَور والضلال والكفر.

بالإضافة إلى أن إِمَامَ مَذْهَبِهِم أبا سَعِيدٍ الْكُدَمِيَّ وَصَفَ سِيرَةَ عَلِيِّ بْنِ أبي طالبٍ بالقبيحة!! (5)

لكن كل هذه الشتائم وهذا السِّبَاب والتكفير من علماء الأباضية لم يجعل الخليليَّ يرى ما يعتمل بين حناياهم من غِلٍّ وَضَغَائِنَ وَأَحْقَادٍ على عليِّ بن أبي طالب، لكنه اتَّهَمَ شَيخَ الإسلامِ بِذَلِكَ!!

 ثانيًا:

من الذي قال إن شيخ الإسلام كان يحقِد على عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟!

هذا كَذِبٌ صريح مُتَعَمَّدٌ، وكتب ابن تيمية تزخر بِعَكْسِ ذلك تمامًا !

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

[ فَضْلُ عَلِيٍّ وَوِلَايَتُهُ لِلَّهِ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أَفَادَتْنَا الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى كَذِبٍ وَلَا إِلَى مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ].(6)

ومعنى قوله “العلم اليقيني” أي العِلْم القَطْعِيُّ الذي ليس فيه ذَرَّةٌ من الشك !

فإذا كان ابن تيمية يقول إن ثبوت فضل علي بن أبي طالب وولايته ومنزلته العالية مقطوعٌ بصحته، وليس فيه مجالٌ للشَّكِّ، فكيف يكون قائل هذا عن عليِّ بن أبي طالب حاقدًا عليه ؟!

 وقال أيضًا:

[وَأَمَّا كَوْنُ عَلِيٍّ، وَغَيْرِهِ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ فَهُوَ وَصْفٌ ثَابِتٌ لَعَلِيٍّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِ عَلِيٍّ، فَعَلِيٌّ الْيَوْمَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ].(7)

وهناك يقرر ابنُ تيمية أن مولاة علي بن أبي طالب وهو حُبُّ المؤمنين له وَصْفٌ ثَبَتَ لِعَلِيِّ بن أبي طالب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مماته، ثم يقرر ابنُ تيمية أن عليًا رضي الله عنه اليوم هو مولى لِكُلِّ مؤمنٍ.

والسؤال الآن: هل ابن تيمية يعتبر نفسه مؤمنًا أم لا ؟!

مُؤَكَّدٌ أَنَّ كلَّ شَخْصٍ يعتقد في نفسه الإيمان، وابن تيمية يقول إن عليًا اليوم مولًى لكل المؤمنين، فهذا يعني أن ابنَ تيمية يَتَوَلَّى عليَّ بن أبي طالب وَيُـحِبُّه وينصره !

قال شيخ الإسلام أيضًا مُؤَكِّدًا على هذا المعنى:

[وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُوَالَاةَ عَلِيٍّ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مُوَلَاةُ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ].(8)

إذًا فابنُ تيميَّة يرى وُجُوبَ مُوَلَاةِ عليِّ بن أبي طالب، والمولاةُ تتضمَّنُ المحبة، كما قال ابن تيمية:

[ فَإِنَّ الْوَلَايَةَ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، والْوَلَايَةُ تَتَضَمَّنُ الْمَحَبَّةَ وَالْمُوَافَقَةَ، والْعَدَاوَةُ تَتَضَمَّنُ الْبُغْضَ وَالْمُخَالَفَةَ].(9)

بل قَرَّرَ ابنُ تيمية أنَّ الْـمَحَبَّةَ هي أَصْلُ الوَلَايَةِ، فقال:

[ وَالْوَلَايَةُ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، وَأَصْلُ الْوِلَايَةِ الْمَحَبَّةُ وَالْقُرْبُ، وَأَصْلُ الْعَدَاوَةِ الْبُغْضُ وَالْبُعْدُ].(10)

فكيف يكون ابنُ تيمية موالِيًا لعليِّ بنْ أبي طالبٍ مُحِبًّا له، وهو يحقد عليه كما زعم الخليلي ؟!

 هل يستقيم هذا التفكِيرُ في عقل الخليلي، إذا كان ذلك كذلك فإنه لا يستقيم عند العقلاء!

وقال ابنُ تيمية أيضًا:

 [وَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُحِبُّ اللهَ وَيُحِبُّهُ اللَهُ ].(11)

وهنا يقرِّرُ ابنُ تيمية بما لا يدع مَجَالًا للشَّكِّ أَبَدًا أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب رجل يُحِبُ اللهَ وَيُحِبُّهُ اللهُ!

فكيف يقرر أن عَلِيًّا يحب اللهَ ويحبه اللهُ، ثم يبغضه ويحقد عليه كما يزعم الخليليُ زُورًا وكذبًا؟!

وأرجو أن يُلَاحِظَ القارئُ الكريم أننا ننقل هذا الكلامَ من نفس الكتاب الذي يستدل منه الخليلي بفهمه الأعوج في فريته على شيخ الإسلام ابن تيمية !

ولو ظللنا ننقل كلامَ ابنِ تيميّة عن محبته وموالاته لعليِّ بن أبي طالب لما انتهينا!

وأختمُ هذا الْوَجْهَ بنقل ابن تيمية اعتقادَ أَهْلِ السُّنَّةِ في مَحَبَّةِ وَمُوَالَاةِ عَلِيِّ بن أبي طالب، فيقول:

[ وَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُحِبُّونَهُ وَيَتَوَلَّوْنَهُ، وَيَشْهَدُونَ بِأَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ ].(12)

إذا بحسب ما نقلناه فابنُ تيمية أبعدُ الناس عن فرية الحقد على عليِّ بن أبي طالب.

وبهذا يثبت للقارئ الكريم أنَّ قول الخليلي عن ابن تيمية محضُ افْتِرَاءٍ وَكَذِبٍ رَخِيصٍ !

ثالثًا:

زَعْمُ الخليليِّ أن ابْنَ تيميّة شَبَّهَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ بفرعون زَعْمٌ باطل مُضْحِكٌ !!

وأقلُّ ما يُقال في هذا الكلامُ إنَّهُ كَذِبٌ صريح ممجوج مفضوح!

ونحن هنا مضطرون لنقل كلام ابن تيمية مَرَّةً أخرى، وبيان منهجه في كتاب “منهاج السنة النبوية” حَتَّى يَتَّضِحَ للقارئ حقيقةُ الأمر!

/  قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية:

[ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ: لَوْ قَالَتْ لَكُمُ النَّوَاصِبُ: عَلِيٌّ قَدِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ: وَقَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى رِيَاسَتِهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» “. وَقَالَ: ” «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» ” . فَيَكُونُ عَلِيٌّ كَافِرًا لِذَلِكَ – لَمْ تَكُنْ حُجَّتُكُمْ أَقْوَى مِنْ حُجَّتِهِمْ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا صَحِيحَةٌ.

وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ. وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} سُورَةُ الْقَصَصِ فَمَنْ أَرَادَ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ].

وبحسب الكلمات التي وضعتُ تحتها خَطًّا ؛ فشيخ الإسلام لم يقل إن هذا هو قوله الذي يعتقده في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل يقول للرافضة لو أَلْزَمَكُمُ النَّوَاصِبُ بِكَذَا وكذا ؛ فلن تستطيعوا أن تجيبوا عليهم، لِأَنَّ قَاعِدَتَكُمُ التي تنطلقون منها لمهاجمة معاوية قاعدة باطلة، وفي حَالِ أَخْذِكُمْ بِهَذِهِ القاعدة فسيتمكَّنُ النواصِبُ من الطعن بها على عليِّ بن أبي طالب أيضًا.

ولكي نفهم الموضوع ببساطة وسهولة علينا أنْ نَعُودَ لِكَلَامِ الرافضي الحِلِّيِّ الذي كان شيخُ الإسلام ابن تيمية يرد عليه في هذه المسألة، قال ابن تيمية:

[ قالَ الرَّافِضِيُّ: ” وَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِ أَهْلِ الْيَمَـامَةِ قَتَلَ مِنْهُمْ أَلْفًا وَمِائَتَيْ نَفَرٍ.(13) مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَقَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ صَبْرًا وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَعَرَّسَ  بِامْرَأَتِهِ، وَسَمَّوْا بَنِي حَنِيفَةَ أَهْلَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا إِمَامَتَهُ، وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.

حَتَّى أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ، فَسَمَّوْا مَانِعَ الزَّكَاةِ مُرْتَدًّا، وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ، وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ»].

وهناك يطعن الرافضيُّ الحليُّ في أبي بكر الصديق لأنه أرسلَ خالدَ بنَ الوليدِ لِقِتَال أهل اليمامة، وَلَمْ يَذْكُر الرافضيُّ أنَّ أَبَا بَكْرٍ إنما قاتلهم لأنه ارتدوا عن الإسلام وآمنوا بمسيلمة الكذَّاب.

إذًا فالرافضي ظلم أبا بكر حينما لم يذكر سبب قتاله لهم، فابن تيمية عامل الرافضي بنفس قاعدته حينما قال له: [لَوْ قَالَتْ لَكُمُ النَّوَاصِبُ: عَلِيٌّ قَدِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ: وَقَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى رِيَاسَتِهِ]. وقال ابن تيمية للرافضي: [ وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ ].

فابن تيميَّـة يقول للرافضي: إذا كان أبو بكر عندك ظَالِـمًـا قاتِلًا للمسلمين ؛ فعلى قاعدتك يكون علي بن أبي طالب أيضًا مِثْلَه!

وهذا يسمى في باب المناظرات بـ إلزام الخصم بكلامه وقواعده.

ولم يكن ابن تيمية يريد الانتقاص من علي بن أبي طالب عليه السلام على الإطلاق، لأنه صرح في مواضع كثيره بمحبته وموالاته، ودافع عنه ضد الخوارج من أهل النهروان وغيرهم !!

رابعًا:

 وهذا بيانٌ لمنهج شيخ الإسلام ابنِ تيميَّةَ في هذا الكتاب:

ملخص منهج وطريقة شيخ الإسلام في كتابه “منهاج السنة النبوية” في هذا الباب – كما وضحت الأن – أنه يريد أن يقول للرافضة ما معناه أنكم إذا طعنتم في خلافة أبي بكر وعمر بشيء فإن القاعدة التي تنطلقون منها يستطيع أن ينطلق منها النواصب فيطعنوا في علي بن أبي طالب.

فإذا نفيتم عن أبي بكر وعمر فَضِيلَةً من الفضائل وقلتُم إنها لا تثبت عنهما، لكان ذلك إنكارًا منكم لِفَضْلِ عليِّ بن أبي طالب أيضًا، فَإِنَّ الطَّرِيقَةَ التي ثبتت بها فَضَائِلُ عليٍّ بن أبي طالب هي نفسُ الطريقة التي ثَبَتَتْ بها فَضَائِلُ أبي بكر وعمر، فإنْ أَنْكَرْتُمْ فَضَائِلَ أبي بكر وعمر لَزِمَكُمْ أَنْ تُنْكِرُوا فَضَائِلَ عليٍّ بن أبي طالب أيضًا.

ويقول أيضًا للرافضة: إذا طعنتم في أبي بكر وعمر بشيءٍ ما، وَثَبَتَ عن عليِّ بن أبي طالب نَفْسُ هذا الشيء، فإنكم بِطَعْنِكُم في أبي بكر وعمر طعنتم أيضا في علي بن أبي طالب لاتفاقهم على نفس الفعل !

وهذا مثال واضح لمنهج ابن تيمية في كتابه منهاج السُّنَّة عن النصارى والرافضة، فيقول:

[ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَغْلُونَ فِيهِ غُلُوَّ النَّصَارَى، وَلَا يَجْفُونَ جَفَاءَ الْيَهُودِ. وَالنَّصَارَى تَدَّعِي فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، وَتُرِيدُ أَنْ تُفَضِّلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، بَلْ تُفَضِّلَ الْحَوَارِيِّينَ عَلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ، كَمَا تُرِيدُ الرَّوَافِضُ أَنْ تُفَضِّلَ مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَالْمُسْلِمُ إِذَا نَاظَرَ النَّصْرَانِيَّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ فِي عِيسَى إِلَّا الْحَقَّ، لَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ جَهْلَ النَّصْرَانِيِّ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ، فَقَدِّرِ الْمُنَاظَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِيِّ; فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ الْيَهُودِيِّ إِلَّا بِمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُسْلِمُ ; فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا كَانَ مُنْقَطِعًا مَعَ الْيَهُودِيِّ، فَإِنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ قَدَحَ فِي نُبُوَّتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا إِلَّا قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ فِي الْمَسِيحِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَاتِ لِمُحَمَّدٍ أَعْظَمُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ لِلْمَسِيحِ، وَبُعْدَ أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَنِ الشُّبْهَةِ أَعْظَمُ مِنْ بُعْدِ الْمَسِيحِ عَنْ الشُّبْهَةِ، فَإِنَّ جَازَ الْقَدْحُ فِيمَا دَلِيلُهُ أَعْظَمُ وَشُبْهَتُهُ أَبْعَدُ عَنِ الْحَقِّ، فَالْقَدْحُ فِيمَا دُونَهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْقَدْحُ فِي الْمَسِيحِ بَاطِلًا، فَالْقَدْحُ فِي مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا بَطَلَتِ الشُّبْهَةُ الْقَوِيَّةُ، فَالضَّعِيفَةُ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، وَإِذَا ثَبَتَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي غَيْرُهَا أَقْوَى مِنْهَا فَالْقَوِيَّةُ أَوْلَى بِالثَّبَاتِ].(14)

وهذا سياقُ كلامِ ابنِ تيميةَ الذي اجتزأ الخليليُ منه للتشنيع عليه:

وقال ابنُ تيمية وهو يردُّ على الرافضيِّ ابنِ المطهّر الحِلِّيِّ:

[قَالَ الرَّافِضِيُّ: سَمَّوْا (الصحابة) مَانِعَ الزَّكَاةِ مُرْتَدًّا، وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ، وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ].

إذًا فهذا الرافضي يريد أن يقول لأهل السُّنَّة: كيف تُسَمُّونَ مانعي الزكاة مرتدين، ولم تُسمُّوا معاويةَ مرتدًا مع أن معاوية حَارَبَ المسلمين ، وحارب عليَّ بن أبي طالب في معركة صفين ، ومع ذلك لم يسموا معاوية مرتدًا، مع أنهم سمعوا النَّصَّ الذي قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعلي بن

أبي طالب: “يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ”].

وابن تيمية رَدَّ على هذا الرافضيِّ بما يُعْجِزُهُ ويقطع حُجَّتَهُ!

فكان مِنْ جواب ابن تيمية عليه – بعدما بَيَّنَ له كَذِبَ الروايةِ وغَلَطَهُ في الاستدلال بها وأوضح سوء فَهْمِه للنصوص – أنه قال ما معناه للرافضي: بحسب هذه الطريقة في الاستدلال؛ إذا قام النواصب بتوجيه نفس الاتهام لكم عن شخص علي بن أبي طالب لما استطعتم أن تردوا عليهم، لِأَنَّ القواعد الباطلة التي ينطلق منها الرافضي تدين عليَّ بن أبي طالب، فلو قالت النواصب للرافضة: أنتم تنكرون على معاوية استحلاله لدماء المسلمين كما تقولون فعليُّ بن أبي طالب أيضا اسْتَحَلَّ قِتَالَ المسلمين على خِلَافِتِهِ، إذْ لا يوجد نصٌّ قرآنيٌّ ولا حديثٌ نبويٌّ يأمر فيه النبيُ صلى الله عليه وسلم عليًّا بِقِتَال أهل الجمل وصِفِّين، فاتِّهَامُكُم لمعاوية يُعَدُّ اتهامًا لعليِّ بن أبي طالبٍ أيضًا سَيْرًا على نفس قاعدتكم.

 قال ابن تيمية: [فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة].

فهل ابن تيمية يصف عليَّ بنَ أبي طالبٍ بشيء من هذا أَصْلًا ؟!

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية:

[ وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آخِرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ].(15)

 فكيف يصف شيخ الإسلام أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه بأنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين وهو يشبهه في نفس الوقت بفرعون ؟! هل يجتمع هذان القولان في ذهن رجل عاقل سليم؟!

فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه

خامسًا:

نحن كمسلمين لا نرضى أَنْ يُسَبَّ أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام والرضوان.

وهو أفضل عندنا من ابن تيمية وأمثاله من العلماء بلا خلاف أو جِدَال!!

ولكننا في ذات الوقت نقول: إذا كان الخليلي يرى أن ابن تيمية نال من عليِّ بن أبي طالب ، فلماذا يسمح الخليلي بطباعة الكتب التي تسب علي بن أبي طالب وتنال منه وتحقد عليه؟!!!

فهذا إمام الأباضية أبو سعيد الْكُدَمِيُّ يقول: 

 [ ثم إن علي بن أبي طالب استخلف على الناس ، فنقض عهد الله ، وحكم في الدار غير حكم كتاب الله ، وقتل المسلمين ، وسار بالجور في أهل رعيته ، فعلى هذا الذي قد صحت منه سعادة علي بن أبي طالب ، أن يتولى لله علي بن أبي طالب ، على سفكه لدماء المسلمين ، وعلى تحكيمه في الدماء غيرَ حُكْمِ كِتَاب الله ، وسيرته القبيحة ، ولا يحل له الشك في ولايته ، وعليه أن يبرأ لله من باطله ، ومن سفك دمه إن قدر على ذلك].(16)

فهل كانت سيرة علي بن أبي طالب قبيحة ؟! وإذا كان الجواب بالنفي؛ فلماذا يتم طباعة الكتب التي تحتوي سب علي بن أبي طالب وشتمه ؟!

ويقول شيخ الأباضية سالم السيابي:

[كان علي بن أبي طالب من علماء الصحابة و عبادها ، إلا أنَّ حبه الخلافة أوقعه في ما وقع فيه من بلائها، فلم يهتدي لسياستها، فإنَّه لما مات النبي صلى الله عليه و سلم و آله ما كان يرى لها غيره، وكان المسلمون لا يرونه لها، فلما تولاها أبو بكر تَبَرَّمَ وَدَخَلَ في نفسه ما دخل من التأثير، حتى إذا اسْتَخْلَفَ أبو بكر عُمَرَ بن الخطاب بَقِيَ في نَفْسِ عَلِيٍّ أنها فَلْتَةٌ وسترجع إليه، فكان الأمر على خِلَاف ما ظَنَّ ، فزاد تَبَرُّمُهُ وتَشَكِّيهِ].(17)

وفي النهاية أنصح الخليليَّ مفتي الأباضيةِ بهذه النصيحة:

/  يقول الأباضيُّ ناصر المسقري:

[ إنَّ التسرعَ والاندفاعَ في إصدار الأحكام دون رَوِيَّةٍ دون تَحَرٍّ للحقيقة ولا صَبْرٍ في الْبَحْثِ عنها، بل الاكتفاءُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ يُوقِعُ في أَخْطَاءٍ كَثِيرَةٍ ! والاكتفاء ببادئ الرأي سِمَةُ الْعَامَّةِ وَالدَّهْمَاءِ الذين تحركهم الْعَوَاطِفُ الآنِيَّةُ وتوجههم الانفعالاتُ غيرُ الواعية وتتحكمُ بهم الغوغائيةُ ويشغلهم عادةً أصحابُ المصالح والأهواء. ولذلك نجد أن أكثر الأفكار المسيطرة عليهم التي تتحكم بها تعميمات باطلة ومبادئ لا تعتمد على حق، وعقائد لا تستند إلى براهين ولا أدلة كافية للإقناع، بل عواطف لا قيمة لها في ميزان الفكر السليم ولا في ميزان الواقع التجريبي ].(18) 

/  يقول الأباضيُّ علي الحجري في مقدمة كتابه:

[فَعَلَى الْكُتَّاب الذين لا يَرْضَونَ إلا بإثارة أَخْبَارِ تِلْكَ الْفِتَنِ في أوساط الأجيال المسلمة أَنْ يفهموا مسئولياتِهم ويتحققوا من صِحَّة الْأَخْبَار التي يبنون عليها أحكامهم].(19)

وقد قيل:  

فَدَعْ عَنْكَ الْكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْهَا       ****      وَلَوْ لَطَّخْتَ وَجْهَكَ بِالْـمِدَادِ

….

فإلى دَيَّان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

………

صباح الأربعاء يوم 23 من ربيع الثاني لعام 1439 هجريا

الموافق 10 يناير لعام 1018 ميلاديا

 


(1)  كتاب الاستبداد – مظاهره ومواجهته للخليلي ص58 ، 59 ، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(2)  الاستقامة ج1 ص119، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(3)  كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان ج2 ص307، ط وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان.

(4)  بيان الشرع لمحمد الكندي ج3 ص280، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(5)  المعتبر ج1 ص36 ، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(6)  منهاج السنة النبوية (8/ 165).

(7)  منهاج السنة النبوية (7/ 325).

(8)  منهاج السنة النبوية (7/ 27).

(9)  مجموع الفتاوى (5/ 510).

(10)  مجموع الفتاوى (11/ 160).

(11)  منهاج السنة النبوية (7/ 218).

(12)  منهاج السنة النبوية (6/ 18).

(13)  الرافضي يقصد خالد بن الوليد رضي الله عنه في حروب الرِّدَّة.

(14)  منهاج السنة النبوية (2/ 55).

(15)  مجموع الفتاوى ج3 ص406، ط خادم الحرمين الشريفين.

(16)  المعتبر ج1 ص36، قاموس الشريعة ج8 ص260.

(17)  العرى الوثيقة للسيابي ص 188.

(18)  الإباضية في ميدان الحق – ناصر المسقري ص22 ، ط مكتبة الأنفال مسقط – عمان.

(19)  الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري ص195.

تحريف نَص رسالة تيموثاوس الأولى 3 – 16

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

سلسلة تحريف الكتاب المقدس

تحريف نَص رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس 3 – 16

الحمدُ لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:
هذه سلسلة تحريف الكتاب المقدس أَبُثُّهَا إلى كل قارئٍ وباحثٍ عن الحق أو باحثٍ في هذا المجال.

أبثُّ هذه السِّلْسِلَةَ تصديقًا لكتاب الله عز وجل الذي أخبرنا أنَّ اليهود والنصارى كانوا يـُحَرِّفُونَ كُتُبَهُمْ.

وللرد على علماء النصارى الذين يُضَلِّلون شعوبهم وأقوامهم، ويخفون عنهم الحقائق!

ليصدوهم عن الحق ويمنعوهم من اعتناق دين الإسلام العظيم!

واليوم موعدنا مع نَصٍّ جديد؛ تكلم فيها كثيرٌ من الباحثين بحثًا ودراسة وفندوه وأثبتوا تحريفه!

و هو نص رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس فصل 3 عدد16:

يقول الكاتب:

[ وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ ].

وحتى لا يَتَشَتَّتَ القارئُ الكريم، فسيكون كلامي في هذا الموضوع مُرَتَّبًا في نِقَاطٍ مُرَكَّزَةٍ ومحددة وبسيطة:

أولا: أهمية النص عند علماء النصارى:

تقول الموسوعة الأرثوذكسية لتفسير العهد الجديد:

[ الله ظهر في الجسد: تَجَسَّدَ الأقنومُ الثاني صَائِرًا في شِبْهِ النَّاسِ. وَهِيَ آيةٌ صَرِيحَةٌ في إِثْبَاتِ لَاهُوتِ الـمَسِيحِ ].(1)

وهنا تُصَرِّحُ الموسوعة الكنسية أنَّ هذا النَّصَّ يدلُّ على تَجَسُّدِ الأقنوم الثاني وهو أقنوم الابن حسب تعبيرهم, وأن هذا التجسد يدلُّ دلالةً صَريحةً على أُلوهية المسيح لأن الإله الابن متجسد في جسد المسيح.

يقول مَتَّى هِنَرِي:

[هو الله ظهر في الجسد: هذا يبرهن على أنه هو الله، الكلمة الأزلي، الذي صار جسدًا، وظهر في الجسد. عندنا أراد الله أن يظهر للإنسان سُرَّ أن يظهر بتجسد ابنه ].(2)

فاستدلَّ متى هنري بهذا النَّصِّ على أنَّ المسيحَ هو اللهُ الأزليُّ الذي صَارَ وَتَحَوَّلَ إلى جَسَدٍ !

يقول وليم ماكدونالد:

[ الله ظهر في الجسد: تشير إلى الرب يسوع، ولا سيما إلى تجسده ].(3)

وهذا أصرح نص يستدل به النصارى على عقيدة التجسد !

ثانيًا: الترجمات العربية تكشف الحقيقة:

أقول أنَّ أغلب الترجمات العربية تختلف مع ترجمة الفانديك الشهيرة في ترجمة هذا النص، فتذكره بلفظ { الذي }، وبدون كلمة { الله }.

تقول الترجمة العربية المشتركة:

[ ولا خِلافَ أنَّ سِرَ التَّقوى عَظيمٌ: الذي ظهَرَ في الجَسَدِ، وتَبَرَّرَ في الرُّوحِ، شاهدَتْهُ المَلائِكَةُ، كانَ بِشَارَةً للأُمَمِ، آمَنَ بِه العالَمُ وَرَفَعَهُ الله في المَجدِ ].(4)

ومثلها بالحرف ترجمة الأخبار السارة.

تقول الترجمة الرهبانية اليسوعية:

[ وَلَا خِلافَ أَنَّ سِرَّ التَّقْوى عَظيم: قد أُظهِرَ في الجَسَد، وأُعلِنَ بارًّا في الرُّوح وتَراءَى لِلمَلائِكَة وبُشِّرَ به عِندَ الوَثَنِيِّين وأُومِنَ بِه في العالَم ورُفِعَ في المَجْد ].(5)

ولا يفوتني أنْ أُنَبِّهَ أنَّ الترجمة الكاثوليكية تتطابق مع اليسوعية في ترجمة النص بلفظ: {الذي}.

تقول الترجمة البُولسية:

[ وإِنَّهُ لَعظيمٌ، ولا مِراءَ، سِرُّ التَّقْوَى، الَّذِي تَجَلَّى فِي الجَسَدِ، وشَهِدَ لهُ الرُّوحُ، وَشَاهَدَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وبُشِّرَ بهِ في الأُممِ، وآمَنَ بهِ العالمُ وارْتَفعَ في مَجْد ].(6)

تقول ترجمة الآباءِ الدُّومِنِيكَان:

[ وَيَقِيْنًا عَظيمٌ هو سِرَ التَّقوى: الذي ظهَرَ في الجَسَدِ وتَبَرَّرَ في الرُّوحِ، وتراءى للمَلائِكَةِ، وَأُنْذِرَتْ به الأُمَم، وآمَنَ بِه العالَمُ وَرُفَعَ بالمَجدِ ].(7)

وهنا ترجمة قديمة جدًا منذ عام 1858 أيضا تترجم النص بلفظ: { الذي }.

تقول ترجمة وليم واطس بلندن:

[ وَيَقِيْنًا سِرَ تَّقوى عَظيمٌ، ذَلِكَ الَّذِي ظَهَرَ بالجَسَدِ، وتَبَرَّرَ بالرُّوحِ، وترايا للمَلايكَةِ… ].(8)

إذًا هذه الترجمات جميعها تحذف كلمة { الله } من النَّصِّ !

فما السبب الذي دَعَا مؤلفي هذه الترجمات لِكتابة النص بهذا الشكل؟!!

السبب هو اكتشافهم أن المخطوطاتِ الأقدم والأوثق لديهم لا تقول { الله } وإنما { الذي }.

كيف نتعرف بسهولة على كيفية وجود النص في المخطوطات؟؟

سنعرض كتابا يضع النصوص اليونانية وتحتها الترجمة العربية لكل كلمة يونانية.

وهو كتاب العهد الجديد: يوناني – عربي بين السطور. (9)


.

وهذه صورة من الكتاب تحوي النص المطلوب:


ولعلَّ القارئَ يلاحظ أنَّ الكلمة اليونانية المرادفة لكلمة { الذي } هي كلمة {}.

وتُكتب في المخطوطات هكذا: { }، وتُنْطَق { أُوْسْ} أو { هُوْسْ }.

وتتكون من حرفين: 1. حرف أُومِيكْرُون: {Ο2. وحرف سِيجْمَـا: { ς }.

ومعناها { الذي }، كمـا ترجمها مؤلفا الكتاب السَّالِفِ الذِّكْر.

أما كلمة الله في اليونانية فتكتب هكذا: { θεοῦ }. وبالحروف الكبيرة هكذا: {}.

وتتكون من أربعة أحرف: 1. حرف ثيتا {θ2. حرف إيبسلون {ε}.

3. حرف أُومِيكْرُون: {Ο4. وحرف سِيجْمَـا: { ς }.

وتوجد كلمة: {} في المخطوطات مختصرة بهذا الشكل: {}.

ويُسمَّى هذا بالاختصار المقدس: {Nomina Sacra }.

وبعد هذا الشرح المبسَّط لشكل وهيئة هاتين الكلمتين في اللغة اليونانية، نستطيع أنْ نَذْهَبَ للمخطوطات القديمة المعتمدة لِنَرَى ماذا تقول.

ثالثًا: المخطوطات:

يعتقد النَّصَارَى الأرثوذكس أنَّ أَهَمَّ المخطوطات المعتمدة للعهد الجديد أربع مخطوطات، وهي:

السِّيْنَائِيَّة والفَاتِيْكَانِيَّة والسَّكَنْدَرِيَّة والإِفْرَامِيَّة.

يقول بابا النصارى شنودة الثالث:

[يوجد كذلك في المتاحف نُسَخٌ للإنجيل ترجع إلى القرن الرابع. تمامًا كالإنجيل الَّذِي في أيدينا الآن، ونقصد بها النُّسخة السينائية، والنسخة الفاتيكانية، والنسخة الإفرامية، والنسخة السكندرية. وكل منها تحوي كل كتب العهد الجديد التي في أيدينا، بنفس النص بلا تغيير].(10)

يقول قاموس الكتاب المقدس:

[أما أهم النسخ الكاملة من العهد الجديد بجملته. فهي النسخة السينائية والنسخة الفاتيكانية وقد كُتِبَتَا في القرن الرابع، والنسخة الإسكندرانية وكُتبت في القرن الخامس].(11)

وسنعرض لحضراتكم صور هذه المخطوطات:

المخطوطة السينائية من القرن الرابع الميلادي ورمزها{ א }:


.


.

وها أنت ترى أيها القارئ الكريم أنَّ الكلمة مكتوبة في المخطوطة {}، وتعني {الذي}.

وحتى لا يحتج علينا بعضهم أن المخطوطة صُحِّحَتْ فيما بعد لوجود: {} أعلى كلمة الذي، أقول إن كبار علماء النقد النَّصِّيِّ كانوا يعلمون ذلك، ومع هذا أعطوا قراءة {الذي} حرف {Α}. وهو يعني عندهم أنَّ قراءة {الذي} هي القراءة الصحيحة الأصلية.

وأنَّه قد تم العبث بالمخطوطة كعادة النُّسَّاخ لإضافة كلمة {الله}؛ لتدل على التجسد !

فيقول محررو نسخة العهد الجديد اليونانية:

{ (A) The original reading of a manuscript }.

الترجمة:

[ (Α) “الذي” هي القراءة الأصلية للمخطوطة ].(12)

فالعلماء اعتمدوا القراءة الأصلية {الذي} ولم يعتمدوا هذا التصحيح.

أو بلفظ أَدَقٍّ نقول: لم يعتمدوا هذا التحريف الذي وقع في وقت متأخِّر!

والمفترض عند أي عاقل، أن يتم تصحيح المخطوطة الحديثة على حسب كلمات المخطوطة

القديمة، ولكنَّ العكسَ هو الصحيحُ الـمُتَّبَعُ عِند كَتَبَةِ ونُسَّاخِ مخطوطات العهد الجديد!!

فهم يعبثون في المخطوطات ويضيفون ويحذفون ما يحلو لهم لتوافق المخطوطاتُ معتقداتِهم!

مخطوطة تشندروف:

وهي نفسها المخطوطة السِّينَائِيَّة. ولكن لم يضع فيها الْعَالِم الكبير تشندورف هذا التصحيح.


ونجد فيها قراءة: { }وتعني {الذي}.

المخطوطة السكندرية من القرن الخامس الميلادي ورمزها{A}:


.


وهذه صورة تقريبية أكثر للكلمة:


وقبل أنْ يفرحَ أحدُ النصارى بالصورة ويظنَّ أنها تدلُّ على قراءة {} التي تعني {الله}.

نقول إنَّ علماء النقد النَّصِّيِّ تناولوا هذه المسألة بَحْثًا وتحقيقًا ودراسةً، ثم خرجوا لنا بهذه النتيجة: وهي أن كاتب المخطوطة كان يكتب {الذي} فَسَالَتْ منه نقطة من الـحِبْر داخل حرف الأوميكرون { Ο } فأصبح هكذا { θ}.

مع أنَّ الفرقَ واضحٌ بين حرف الثيتا { θ}، وبين حرف الأوميكرون { Ο } الذي سَالَ الحِبْر دَاخِلَهُ مِنْ كَاتِبِ المخطوطة.

صورة للتوضيح للنص محل النقاش:


صورة من كلمة {ثيؤس} الصحيحة مقتبسة من نفس المخطوطة الإسكندرانية.


وهذا الاقتباس لِنَصِّ رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس 4 – 3:

{ مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ }.

1Ti 4:3 κωλυοντων γαμειν απεχεσθαι βρωματων α ο θεος εκτισεν εις μεταληψιν μετα ευχαριστιας τοις πιστοις και επεγνωκοσιν την αληθειαν

والفارق واضح جدا بين الحرفين، كما اعترف بذلك موقع bible-researcher

طبعًا كل المخطوطات التي أتت بعد هذه المخطوطات ليستْ ذاتَ قِيمةٍ حقيقيةٍ عند العلماء مثل هذه المخطوطات القديمة التي يشهد علماءُ النقد النَّصِّيِّ بأهميتها وقوتها وهيمنة نصوصها.

لأنَّ هذه المخطوطات هي الأقْدَم والأدَقُّ في مخطوطات العهد الجديد.

يقول القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير:

[قام علماء النقد النصي العلمي بعمل مقارنات دقيقة لمخطوطات العهد الجديد، خاصةً المتأخرة منها، وحصروا الأجزاء الخالية تماما (بنسبة 100% ) من القراءات المتنوعة ووجدوا أنها تُـمَثِّلُ 8/7، كما حصروا الأجزاء التي يوجد لها قراءات متنوعة أولا، ثم قاموا بدراسة هذه الأجزاء التي لها قراءات متنوعة دراسة علمية دقيقة وقابلوها معًا وعملوا لها مقارنات حتى توصلوا لعدة نتائج هامة وحاسمة، وهي: المخطوطة الأقدم هي الأَصَحُّ والأَدَقُّ…].(13)

رابعا: علماء المسيحية يعترفون بتحريف النَّصِّ:

وأقصد بهؤلاء العلماء مُفَسِّرِي كِتَابِ النَّصَارَى:

قال الدكتور جِيمْس آَنِيس:

[وكلمة (الذي) عوض اسم الجلالة في صدر العبارة، بدليل ورودها في أقدم النسخ اليونانية (الثلاثية الحرب) وأضبطها وأقدم الترجمات كافة…ومما يرجح صحة قراءة (الذي) عدم ذكر اللاهوتيين القدماء هذه الآية مع الآيات الكثيرة التي أوردوها ليثبتوا لاهوت المسيح، وهم يردون على ضلالة آريوس.

أما سبب تبديل كلمة (الذي) بكلمة (الله) في النسخ اليونانية الحديثة، فهو ما بين اسم الجلالة (حيث كُتبت على صورتها المختصرة بحرفين فقط)، وكلمة (الذي) [О C] من المشابهة في صورة كتابتها، فليس بينهما فرق إلا في خط صغير؛ يقرب من النقطة التي تفرق بين الجيم والحاء في الكتابة العربية .. والرَّاجِحُ أنَّ النُّسَّاخَ زَادُوا ذلك الخطَّ الصغير ليوضحوا المعنى في بعض النسخ، فتحولت كلمة (الذي) إلى (الله)، ثم شاع استعماله في كل نسخ القرون المتوسطة؛ خلافاً للنسخ القديمة التي لم يُر فيها إلا كلمة (الذي) ].(14)

وهذا في الحقيقة كلام نفيس للغاية، صَرَّحَ فيه الدكتور جيمس بوقوع التحريف موضحًا المشكلة الموجودة في النَّصِّ وكيف تم تحريفُه والتلاعبُ فيه في مخطوطات العهد الجديد على أيدي النُّسَّاخ.

يقول التفسير الحديث للكتاب المقدس:

[والترجمة التي بين أيدينا تُقرأ (الله ظهر في الجسد) إلا أنَّ كُلَّ الكُتَّابِ المحدثين يرفضون هذه الترجمة، فيفضلون عنها (الذي ظهر في الجسد)، ومن الواضح أنَّ اسْمَ الموصول المذكَّر يشير إلى المسيح، الذي ليس ثمة شك في أنه ذُكِرَ في جزء مبكر من الترنيمة وحُذِفَ من الاقتباس].(15)

يقول الدكتور آدم كلارك:

]Though all this makes a very plain and consistent sense, yet we are perplexed by various readings on the first clause, Θεος εφανερωθη εν σαρκι, God was manifest in the flesh; for instead of Θεος, God, several MSS., versions, and fathers, have ὁς or ὁ, who or which. And this is generally referred to the word mystery; Great is the mystery of godliness, Which was manifest in the flesh [ .

الترجمة: على الرغم من أن كل هذا يعطي شعورًا ثابتًا وواضحًا جِدًا، ولكنْ نحن في حيرة من اختلاف القراءات في المقطع الأول من العدد، Θεος εφανερωθη εν σαρκι (الله ظهر في الجسد)؛ فبدلا من كلمة Θεος أي (الله)، يوجد في عدة مخطوطات وعدة نسخ وأقوال للآباء، يوجد ὁς أو ὁ (مَنْ) أو (الذي) بالعربية. وهذا يعود على كلمة “سر”، -ليصبح المعنى-، “عظيم هو سر التقوى، الذي ظهر في الجسد”.

]The insertion of, Θεος for ὁς, or ὁς for Θεος, may be easily accounted for. In ancient times the Greek was all written in capitals, for the common Greek character is comparatively of modern date. In these early times words of frequent recurrence were written contractedly, thus: for πατηρ, πρ; Θεος, θς; Κυριος, κς· Ιησους, ιης, etc. This is very frequent in the oldest MSS., and is continually recurring in the Codex Bexae, and Codex Alexandrinus .[

[إن إدراج Θεος بدلًا من ὁς، أو ὁς بدلا من
Θεος،
من السهل تصور حدوثه. ففي العصور القديمة كانت حروف اليونانية جميعها تكتب بالحجم الكبير “Capitals”، مقارنة بالكتابة الحديثة للحروف الشائعة في اليونانية. في تلك الأوقات المبكرة الكلمات التي يعاد تكرارها دائما كانت تكتب بحروف مشبوكة. أمثال:

πατηρ, πρ; Θεος, θς; Κυριος, κς· Ιησους, ιης, إلخ..

هذا الأمر متكرر جداً في المخطوطات الأقدم. ويتكرر أيضا باستمرار في المخطوطتين السكندرية وبيزا].

If, therefore, the middle stroke of the Θ, in ΘΣ, happened to be faint, or obliterated, and the dash above not very apparent, both of which I have observed in ancient MSS., then ΘΣ, the contraction for Θεος, God, might be mistaken for ΟΣ, which or who; and vice versa. This appears to have been the case in the Codex Alexandrinus, in this passage. To me there is ample reason to believe that the Codex Alexandrinus originally read ΘΣ, God, in this place; but the stroke becoming faint by length of time and injudicious handling, of which the MS. in this place has had a large proportion, some person has supplied the place, most reprehensibly, with a thick black line.

This has destroyed the evidence of this MS., as now it can neither be quoted pro or con, though it is very likely that the person who supplied the ink line, did it from a conscientious conviction that ΘΣ was the original reading of this MS.

ولهذا السبب فإنه إذا حدث وكان الخط الذي في وسط الحرف Θ في كلمة Θς –التي هي اختصار لكلمة “الله”- غير واضح أو مطموس، وإذا كان الخط الأعلى غير واضح هو الآخر، -وكلا الأمرين قد لاحظتهما في المخطوطات القديمة- لذلك فمن الممكن أن يحدث الخطأ في كتابة Θς وتكتب Ος -والتي تعني (مَنْ) أو (الذي) ، أو العكس. ويبدو أن هذا كان الحال في المخطوطة السكندرية، في هذا المقطع. بالنسبة لي هناك سبب كافي للاعتقاد بأن القراءة الصحيحة في المخطوطات الاسكندرية هي Θς؛ و لكن الخط الأوسط في حرف Θ أصبح باهتا مع طول الزمن والمعالجات الطائشة التي حَازَتْ المخطوطة في هذا الموضع على نسبة عالية منها، شخص ما قام بإضافة خَطٍّ أسود سَمِيكٍ في هذا المكان، وهو أمر غاية في السوء وَتَصَرُّفٌ غيرُ مقبولًا.

هذا التصرف قام بتدمير دلالة المخطوطة، فبشكلها الحالي لا يمكن أن تستعمل لإثبات شيء أو نفيه، على الرغم من أن الشخص الذي قام بتزويد الحبر في الخط الأوسط لهذا الحرف كان مقتنعًا تمامًا أن القراءة الأصلية للمخطوطة هي Θς ].

يقول موقع bible-researcher:

( However, textual critics believe that the ink in the center of the Θ and the stroke above were added by a corrector in modern times. Reasons for this belief are the color of the ink, and the fact that a “dot” has been placed in the Θ instead of a line. Tregelles writes, “The ink in which this has been done in A is sufficiently modern and black to declare its recent application” (An Account of the Printed Text of the Greek New Testament, London, 1854 ). (17)

الترجمة:

[ النُّقَّادُ الكِتَابِيُّونَ يعتقدون أنَّ الحِبْرَ الموجودَ في منتصف حرف في مركز الـ Θ والشَّرْطَة الموجودة في الأعلى تم إضافتهم بواسطة مُصَحِّحٍ في عصر متأخر . الأسباب التي أَدَّتْ إلى هذا الإيمانِ هي لَوْنُ الْحِبْرِ وحقيقة وجود نقطة في منتصف الـ Θ بدلًا من الخط. العالم تريجيليس يقول : الحبر المستخدم في الحالة A حديث بعض الشيء وأكثر سواداً مما يُوضِّحُ استخدامَه الحديث ].( 17)

الخلاصة: أن هذا النص محرف، والمخطوطات القديمة تدل على قراءة الذي، وعليه فالنص ليس فيه أي دليل على عقيدة التجسد الباطلة التي اخترعها النصارى ونسبوها إلى الله. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

إهداء واعتراف بالفضل:

أَهدي هذا العمل وغيره من الأعمال التي تتعلق بتحريف كتاب النصارى إلى الشيخ عرب، ولأخي الحبيب الغالي أبي المنتصر شاهين الملقب بالتاعب، فمنهما تعلمتُ هذا العلم!

وقد اقتبست كثيرًا في بحثي هذا من بحثه واقتبست بعض الصور منه، فجزاه اللهُ عني وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

كما لا أنسى أن أتوجه بالشكر للأخ الفاضل أبي حفص والأخ الفاضل أبي يحيى المسلم لمساعدتي في ترجمة بعض النصوص الإنجليزية.

مراجع البحـث:

(1)
الموسوعة الكنسية لتفسير العهد الجديد ج4 ص466، ط كنيسة مار مرقص بمصر الجديدة – القاهرة، إعداد كهنة وخدام الكنيسة.

(2) تفسير رسالتَي بولس الأول والثانية إلى تيموثاوس لمتى هنري ص37، ط مكتبة المحبة القبطية – القاهرة، تعريب القمص: مرقس داود.

(3) تفسير الكتاب المقدس للمؤمن للدكتور وليم ماكدونالد ج3 ص1212, ط دار الإخوة للنشر بشبرا – القاهرة، الطبعة العربية الثانية.

(4) الترجمة العربية المشتركة ص323، ط دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط باشتراك الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت.

(5) الترجمة الرهبانية اليسوعية – العهد الجديد ص663، ط دار المشرق – بيروت.

(6) الترجمة العربية البولسية – العهد الجديد ص844, ط منشورات المكتبة البولسية.

(7) ترجمة الآباء الدومنيكان بالعراق – العهد الجديد، ص448, ط جمعية الكتاب المقدس – لبنان.

(8) ترجمة وليم واطس لسنة 1858 بلندن المحروسة ص282 لمنفعة كنايس الشرقية.

(9) العهد الجديد – يوناني عربي بين السطور لبولس الفغالي وأنطوان عوكر ونعمة الله الخوري ويوسف فخري ص989، ط الجامعة الأنطونية.

(10) سنوات مع أسئلة الناس – أسئلة خاصة بالكتاب المقدس لبابا النصارى شنودة الثالث، ص105, مطبوع في مصر.

(11) قاموس الكتاب المقدس تأليف نخبة من المختصين واللاهوتيين ص764، ط دار مكتبة العائلة.

(12) The Greek New Testament, Fourth Revised Edition P718.

(13) الكتاب المقدس يتحدّى نقّاده والقائلين بتحريفه للقمص عبد المسيح بسيط أبو الخير ص508, طبيت مدارس الأحد.

(14) علم اللاهوت النظامي للقس جِيمس آَنِس ص185 ترجمة وتنقيح القس منيس عبد النور.

(15) التفسير الحديث للكتاب المقدس – الرسائل الرعوية ص104 للدكتور دونالد جوثري، ط الثقافة – القاهرة، ترجمة نكلس نسيم.

(16) تفسير الدكتور آدم كلارك Adam Clarke, LL.D., F.S.A., (1715-1832) .

(17)  موقع بايبل ريسرشر bible-researcherاضغط على الكلمة لدخول الصفحة المطلوبة.

حلقة مرئية لشرح البحث بطريقة مبسطة ميسورة

https://www.youtube.com/watch?v=9p8OqcUDkIE

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

 

كيف نؤمن بالرجم وهو غير موجود في القرآن ؟!

الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
يقول لك أحدهم: كيف تؤمن بحكم الرجم وهو غير موجود في القرآن الكريم ؟!

فنقول وبالله التوفيق:

من الذي قال لك إن الأحكام الشرعية موجودة في القرآن الكريم فقط ؟!

المدهش أنكم تخترعون قاعدة باطلة من رؤوسكم ، ثم تبدؤون في محاكمة أصول وقواعد الدين إلى هذه القاعدة وكأنَّها الحق المبين الذي نزل من السماء !!

سؤال:

أليست الصلاةُ ركنًا من أركان الدين ؟ الجواب نعم ؛ فلماذا لم يخبرنا الله بعدد ركعات كل صلاة في القرآن الكريم ؟!

سؤال ثانٍ:

أليست الزكاة رُكنًا من أركان الدين ؟ الجواب نعم ؛ لماذا لم يخبرنا الله بنصاب الزكاة في القرآن الكريم ؟!

سؤال ثالث:

أليس الصوم رُكنًا من أركان الدين ؟ الجواب نعم ؛ لماذا لم يخبرنا الله بمُبطلات الصوم في القرآن الكريم ؟!

سؤال رابع:

هل يجوز لك أن تجمع بين زوجتك وعمتها أو خالتها ؟! الجواب لا ؛ لماذا لم يخبرنا الله بحرمة هذه الزيجة في القرآن الكريم ؟!

هل شرح كيفية الصلاة والزكاة والصوم والكلام عن المحرمات من النساء أولى بالحديث عنهم في القرآن الكريم أم الأَوْلَى إخبار الله لنا أنه سمع المرأةَ التي كانت تتحدث مع النبي صلى الله عليه وسلم بصوت منخفض في أول سورة المجادلة ؟!

أنت تسلك طريقًا مسدودًا لا يسلكه شخصٌ يريد النجاة على الإطلاق !

ولن تستطيع أن تجيبَ على أي سؤال مما سبق إجابة علمية صحيحة ومقنعة !

لأنه لا جوابَ عن هذه الأسئلة إلا في السنة النبوية التي ترفض الاحتكامَ إليها ، مع أن القرآن الكريم نفسه يقول: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }.

ويقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحَكِّمُوكَ فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حَرَجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا }.

وقال سبحانه وتعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخرَ وذكر اللهَ كثيرا }.

وحذَّرَ اللهُ تعالى مَنْ يخالف الرسولَ صلى الله عليه وسلم من هذه المخالفة فقال: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبَهم عذابٌ أليم }.

فبموجب هذه الآيات الكريمة وغيرها صارت أوامرُ الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله فريضةً من الله ، وظلت الأمة الإسلامية تعمل بذلك منذ أن بعث اللهُ رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وسيظل الأمر كذلك حتى تقوم الساعة !

لو قال لك المَلِكُ أو رئيسُ الدولة وحاكمُها: أطع موظفي فلان وإياك أن تعصيه أو تخالفه ، فهل ستقول له: لن أصدق أو أطيع إلا أوامر الملك أو الرئيس وحدها ؟!

فنصيحتي لك أن تعود إلى الحق إذا كنتَ حقًا تريد النجاة في الآخرة، واعلمْ أنك يوم القيامة موقوف ، وأنك بين يدي الله مسئول ، فأعد للسؤال جوابًا من الآن.

فالآن أنت في دار عمل بلا حساب ، وغدًا تكون في دار حساب بلا عمل !

هدانا الله وإياك لما يحب ويرضى ،،،،ُ

%d مدونون معجبون بهذه: