هل نص أنا والآب واحد يدل على ألوهية المسيح ؟

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

حينما نسأل النصارى لماذا تعبدون المسيح يقولون: نعبده لأنه الله ، فنسألهم ما الدليل أنه الله؟ فيستدلون ببعض النصوص استدلالاتٍ واهيةً ليوهموا أنفسهم أنهم على صواب ! ومن ضمن هذه النص النص الوارد في إنجيل يوحنا 10 – 30 : [ أنا والآب واحد ] !!

فهل نص ” أنا والآب واحد ” يدل على ألوهية المسيح ؟!
وهل هذا النص يصلح جوابًا عن سؤال : أين قال المسيح إنه الله ؟!
الواقع أن المنصرين الذين يستدلون بهذا النص على تأليه المسيح إما أنهم لم يفهموا النَّصَّ فهمًا صحيحًا وإما أنهم فهموه بشكل صحيح ولكنهم تعمدوا تضليل النصارى !!  فالنص ليس له علاقة بألوهية المسيح!
أولا:

هذا النص ليس نَصًّا صَرِيحًا في هذا الموضوع باعتراف الأنبا شنودة الثالث بابا الكنيسة الأرثوذكسية!
فقد جاءه سؤال هل قال المسيح إنه إله ؟!

” كيف نصدق لاهوت المسيح بينما هو نفسه لم يقل عن نفسه إنه الله ، ولا قال للناس اعبدوني ” ؟!!
فقال الأنبا شنودة مجيبًا على هذا السؤال: [ لو قال عن نفسه إنه إله لرجموه ، ولو قال للناس اعبدوني لرجموه أيضًا، وانتهت رسالته قبل أن تبدأ ].
كتاب سنوات مع أسئلة الناس – أسئلة لاهوتية وعقائدية أ – ص46.

فالأنبا شنودة يعترف أن هذا النص غير صريح في إثبات ألوهية المسيح، وكذلك وغيره من النصوص الأخرى!
ثانيًا:

الواقع أيضا أن المستدلين بهذا النص ” أنا والآب واحد” قد انتزعوه من سياقه انتزاعًا شنيعًا يغيّر النص عن معناه الحقيقي ، فلو نظرنا في النصوص التي قبله سنجد أنه لا توجد علاقة بين هذا النص وبين ألوهية المسيح المزعومة على الإطلاق !!
ولابد أن نضع السياق كَامِلًا حتى تتضح الحقائق الغائبة عن النصارى المخدوعين: يقول كاتب إنجيل يوحنا في الأصحاح العاشر:
[ 24 فَاحْتَاطَ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: «إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْرًا».  25 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ:«إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.  26 وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي، كَمَا قُلْتُ لَكُمْ.  27 خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي.  28 وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.  29 أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي.  30 أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ».  31 فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ.  32 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ:«أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟»  33 أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ:«لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا»  34 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟  35 إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ،  36 فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟ ].
وإليك التعليق وتوضيح سياق كلام يسوع في هذا الموضوع:
في نص 24 نجد اليهود يقولون للمسيح إنْ كنتَ أنتَ المسيحَ أي النبي المسيح المنتظر ، فقل لنا صراحةً أنك هو ، فقال لهم المسيح إنني قلت لكم بالفعل ولكنكم لا تصدقوني ، واستدلَّ المسيحُ على أنه النبيُّ المُنْتَظَر في هذا الزمان بأنه عَمِلَ أَمَامَهُمْ أَعْمَالًا كثيرة باسم الله بينهم ، مثل شفاءِ المرضى وَإِحْيَاء المَوْتَى وتكثير الطعام …. إلخ ، وقال لهم المسيح أيضا: أنتم لا تؤمنون بي لأنكم لَسْتُم من القوم المؤمنين الذين يعلم الله أنهم سيؤمنون بي ، أما المؤمنون بي فإنهم يعرفونني جَيِّدًا ، ولأنهم آمنوا بي فلهم حياة أبديَّة ، ولن يضيعوا أو يهلكوا ، بل مصيرهم النعيم الأبدي بسبب هذا الإيمان السليم، ولن يستطيعَ أَحَدٌ أن يضلل هؤلاء المؤمنين بي، وسبب ذلك هو أن الله الآب نفسه هو الذي أعطاني إياهم وجعلهم مؤمنين، والله الآب أعظم من الجميع ، وهو قادر مهيمن مسيطر ، فلن يستطيع أَحَدٌ أن يأخذ منه شيئًا ، وبما أَنَّ هؤلاءِ المؤمنين محروسون من الله الآب فلا يستطيع أحدٌ أن يضللهم أو يأخذهم من يدي ، وأنا هدفي أَلَّا يُضَلِّلَ هؤلاء المؤمنين أَحَدٌ ، وكذلك الله الآب يريد نفس هذا الهدف، فكان مَقْصُود المسيح أنه والآب واحد في هذه الفكرة وفي هذا الهدف ، ولم يقل السياقُ أَبَدًا إن المسيح يساوي نفسه بالله !!
ربما يقول قائل، لكنَّ اليهود الحاضرين أنفسهم فَهِمُوا من كلامه أنه يساوي نفسه بالله! بدليل قوله [ أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ:«لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا ].
فأقول إن اليهود فعلوا ذلك ليجدوا ما يهاجمون به المسيح ، ولكنه نسف هذه الفكرة تمامًا في نفس اللحظة ، فقال لهم: [ أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ،  36 فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟  37 إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي ].
يعني يقول لهم: أليس يوجد في توراتكم أن حاملي ناموس الرب يقال عنه آلهة ؟! ، وقال لهم طالما أن هذا موجود في توراتكم ، فهل لو قلت إني ” ابن الله ” أكون مستحقًا للرجم ؟!
وهذا يدل أن وجه إنكار اليهود عليه ليس لأنه قال ” أنا والآب واحد ” ، وإنما أنكروا عليه لأنه قال إن اللهَ أبوه , وأنه ابنُ الله، بدليل قول المسيح لهم” [ أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟ ] والعبرة بفهم المسيح وليس بفهم اليهود الذين كانوا يَتَحَيَّنُونَ الْفُرَصَ للهجوم عليه والوشاية به عند الحاكم ! وأخبرهم المسيحُ أَنَّ الله قَدَّسَهُ بالنبوة واصطفاه بالرسالة إليهم  !!
فكما رأينا أن النَّصَّ ليس له علاقة نِهَائِيًّا بألوهية المسيح لا من قريب أو من بعيد ، وإنما هذا فَهْمُ اليهودِ الـمَبْنِيُّ على المكيدة للمسيح ، ولقد رد عليهم المسيح وبيَّن لهم بطلان فهمهم الكيدي الخاطئ !

ثالثًا:

هل تلاميذ المسيح فهموا من قوله  “ أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ ” أن المسيح هو الله أو أن المسيح يساوي نفسه بالله؟!

الجواب لا ، وهذه شهادة بطرس بعد رفع المسيح، حيث قال لليهود:

أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. ]. أعمال الرسل 2 – 22

فهل نصارى اليوم أعلم من بطرس تلميذ المسيح الذي رآه وعاصره وعاش معه وعرفه حق المعرفة !

رابعًا:

المسيح نفسه قال لليهود: في نفس الإنجيل: [ وأنتم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي يسمعه من الله ]. يوحنا 8 – 40.
وهذا النص وحده كافٍ لأي عاقل يطلب الحق أن ينسف في عقله فكرة ألوهية المسيح المزعومة ، المسيح نفسه يقول لليهود: أنا مجرَّد إنسان نقل لكم كلامَ الله ، فلو كان المسيحُ يزعم الألوهية لنفسه لما قال لهم إنه مجرد إنسان ينقل كلام الله لهم، وأبضا قال المسيح كلامًا يستحيل أن يفهم منه إلا معنى واحد كما في يوحنا 17 – 3 حينما كان يخاطب الآبَ قائلًا : [ والحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحق وحدك، ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح ].
فمن يريد أن ينال الحياة الأبدية في زمن المسيح فعليه أن يعرف ويؤمن أن الإله الحقيقي هو الله ، ويعرف ويؤمن أن هذا الإله الحقيقي أرسل يسوع المسيح.

خامسًا:

ثم إن اليهود لم يكونوا ينتظرون إِلَهًا مُتَجَسِّدًا ، بل كان ينتظرون نَبِيًّا مخلصًّا يخلصهم من ظلم الرومان ويجعلهم قادة للعالم !!
يدل على ذلك أن جميع الذين آمنوا بالمسيح لم يؤمنوا به على أنه إله ، وإنما آمنوا به على أنه نبي عظيم.

مثل الرجل الأعمى الذي شفى المسيحُ عينيه بقدرة الله لما سألوه عن المسيح قائلين: [ وأنت ماذا تقول عنه من حيث أنه قد فتح عينيك ؟] فقال الأعمى: [ أرى أنه نبي ]. يوحنا 9 – 17.

فحتى المؤمنون بالمسيح لم يؤمنوا به على أنه إله !! وإنما آمنوا به على أنه نبي.

وكلام الأنبا شنودة الذي ذكرناه مفجع وحقيقي ، إذ كيف يعبد النصارى رجلًا لم يقل لهم إنه الله ؟!

وأيضًا بالفعل لم يُعْلِن المسيحُ عن ألوهيته المزعومة نهائيًا على الإطلاق !!

أما الإله في العهد القديم فقد أعلن كثيرًا عن نفسه وعن ذاته مُظْهِرًا ألوهيته :
قال الرب لإبراهيم: [ أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ ] . تكوين 17 – 1
وقال الرب ليعقوب النبي: [ أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ ].  تكوين  35 – 10
وقال الرب ليعقوب : [ أَنَا اللهُ، إِلهُ أَبِيكَ ].
وقال في  مزمور 46 : [ كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ. أَتَعَالَى بَيْنَ الأُمَمِ، أَتَعَالَى فِي الأَرْضِ.  11 رَبُّ الْجُنُودِ مَعَنَا. مَلْجَأُنَا إِلهُ يَعْقُوبَ. سِلاَهْ ].
اشعياء 45 – 22 يقول: [ اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ ].
كذلك أعلن المسيح وكتبة العهد الجديد عن ألوهية الآب صراحةً !!
كما جاء في يوحنا 6 – 27  يقول: [ اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ ]
حتى بولس كان يؤمن بأن الله هو الآب فقط ، ولم يقل بولس إن المسيح هو الله أبدا فقال:
غلاطية 1 – 1 : [ بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ ].
ويقول بولس في رسالته إلى أفسس 6 – 23 : [ الله الآب ].

فلماذا لا نجد نصًّا واحدًا يقول: [ الله الابن ] ؟!

فالمسيح بالفعل لم يَدَّعِ الألوهية لنفسه ، والنص الذي يستدل به النصارى ليس دليلا على ألوهية المسيح.

والحمد لله رب العالمين ،،،،

Advertisements

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث
نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَن والاه، وبعد:
هذه سلسلة الردود العلمية على شبهات النصارى حول القرآن الكريم.
زعم هؤلاء أن القرآن الكريم ذهب منه الكثير، وهذا يدل على تحريفه !!
واستدلوا بما رواه أبو عبيد، قَالَ:
[ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلَّهُ! قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهْرَ مِنْهُ].(1)
وللرد على هذا الافتراء أقول:
أولا: الرواية صحيحة:
هذه الرواية صحيحة، ولا إشكال مُطلقًا فيها سَنَدًا ولا مَتْنًا.
فأما السند فصحيح متصل بين سعيد بن منصور وبين ابن عمر رضي الله عنهما.
وأما المتن فلا غبار عليه كما سيأتي.
ثانيا: الرواية ذكرها أبو عبيد تحت باب:
بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ”.
إذًا بهذه الرواية وغيرها عَلِمْنَا أَنَّ هناك آياتٍ نَزَلَتْ على النبيِّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ، ثُمَّ نُسِخَتْ وَرَفَعَهَا اللهُ سبحانه، وهذا الحديث يدخل تحت هذا النَّسْخ باتفاق كُلِّ الْعُلَمَـاء بِلَا مخالف.
ولذلك لم يكتبها الصحابة في المصاحف، وأكرر مرة أخرى أنه لا يوجد مُخَالِفٌ في هذه المسألة.
فَإِذَا كان الإمام أبو عبيد روى هذه الرواية تحت هذا: { بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ } ؛ فلا ينبغي أن يخرج علينا جَاهِلٌ مُتَعَالِمٌ وَيَدَّعِي ضَيَاعَ شَيءٍ من القرآن الكريم مُسْتَدِلًّا بهذه الرواية.
وإليك باقي كلام العلماء الذي يوافق أبا عبيد في هذه المسألة.
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَقَدْ أخرج ابن الضريس من حَدِيث بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَيَقُولُ إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ”،  وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ].(2)
قال الحافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السِّيُوطِيُّ:
[ الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ .. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ].(3)
فالحافظ السيوطي ذَكَرَ لنا نوعًا من أنواع النسخ ، وضرب لنا المثال على هذا النوع بهذه الرواية.
قال الْعَلَّامَةُ الْأَلُوسِيُّ:
[ أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنا كما هو موجود بين الدفتين اليوم، نعم أَسْقَطَ الصديق ما لم يتواتر وما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ .. وعليه يُحْمَلُ ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر، والروايات في هذا الباب أكثر من أَنْ تُحْصَى إِلَّا أَنَّهَا محمولة على ما ذكرناه].(4)
أما محقق سنن سعيد بن منصور فقد وَضَّحَ المقصودَ من الرواية، فقال:
[ ” أخذت القرآن كله ” أي: كُلُّ ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وما اسْتَقَرَّ مَتْلُوًّا ، ” ذهب منه قرآن كثير ” أي: سقط منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أُسْقِطَ في الجمعينِ الْـمُجْمَعِ عليهما بَعْدَه لِعَدَمِ استيفائه شروطَ ثُبُوتِ قرآنيته حَسْبَ الْعَرْضَةِ الأخيرة وشروطا أخرى غيرها ].(5)
ثالثًا: ابن عمر كان يؤمن باستحالة تغيير القرآن أو تحريفه:
أليس بحسب فهم النصارى للرواية التي نبحث فيها يكون عبد الله بن عمر مُؤْمِنًا بجواز التغيير والتبديل في القرآن الكريم ؟! فلماذا نجد عبد الله بن عمر يؤمن بخلاف ذلك ؟!
روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين:
[ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثنا أَبُو النُّعْمَانِ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، ثنا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ: أَطَالَ الْحَجَّاجُ الْخُطْبَةَ فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ ، فَقَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: ” لَا يَسْتَطِيعُ ذَاكَ أَنْتَ وَلَا ابْنُ الزُّبَيْرِ { لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } [يونس: 64] فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا إِنْ نَفَعَكَ “،  هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ].(6)
والرواية توضح بجلاء تام أن ابن عمر كان يؤمن أنه لا أحد يستطيع تغيير القرآن وتبديله !!
رابعًا: النبي لم يَتْرُكْ إِلَّا القرآنَ الموجودَ بين أيدينا فقط:
النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بعد وفاته إلا ما بين الدفتين أي ما بَيْنَ الجِلْدَتَيْنِ.
وهذا ما رواه البخاري عن أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم وأحد علماء التابعين:
فقد روى البخاري في صحيحه:
[ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ: فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ].(7)
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ].(8)
قال بَدْرُ الدين الْعَينِيُّ:
[ وَقد ترْجم لهَذَا الْبَاب للرَّدّ على الروافض الَّذين ادّعوا أَن كثيرًا من الْقُرْآن ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ وَأَن التَّنْصِيص على إِمَامَة عَليّ بن أبي طَالب واستحقاقه الْخلَافَة عِنْد مَوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ثَابِتًا فِي الْقُرْآن ، وَأَن الصَّحَابَة كَتَمُوهُ ، وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة وحاشا الصَّحَابَة عَن ذَلِك. قَوْله: (إلاَّ مَا بَين الدفتين) أَي: الْقُرْآن].(9)
خامسًا: القرآن يستحيل أن يضيع منه شيء:
وقد وعد الله أمة نبيه أنه سيحفظ هذا الكتاب الكريم فلا يضيع منه شيء أبدا
{..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ * تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.(10)
فكتاب ربنا تبارك وتعالى باقٍ كما هو، لم يـُحرَّفْ وَلم يُبدِّلْ تحقيقًا وتصديقًا لموعود الله تبارك وتعالى بحفظه.
ولأجل ذلك وضع الله عز وجل في هذا الْكِتَابِ من الدلائل الباهرة ما يجعله مستحيل التحريف والتبديل. بل هو الكتاب الوحيد على وجه الأرض الذي يمكن كِتَابَتُهُ من الذاكرة والحِفْظ.
فلو فرضنا أن كل الكتب والمصاحف ضَاعَتْ وَانْدَثَرَتْ لِسَببٍ ما، فلنْ يستطيعَ أهلُ دِينٍ أو مِلَّةٍ أَو نِحْلَةٍ أَنْ يكتبوا كِتَابهم مرة أخرى إلا المسلمون فقط!!
فليس كتابُنا ككتب غيرنا من اليهود والنصارى.
سادسًا: من فمك أدينك أيها العبد الشرير:

على النصراني صاحب الشبهة أن يحاول حل المشاكل كتابه التي لا حلول لها

تقول نسخة الترجمة الرهبانية اليسوعية:
[إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة, بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية، ولكن عددها كثيرٌ جدا على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها … ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مرّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر. فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مُثْقَلًا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات].(11)
يقول النصراني رياض يوسف داود:
[ كان الكِتَابُ يُنسخ نَسْخَ اليَدِ في بداية العصر المسيحي وكانوا ينسخون بأدوات كتابة بدائية عن نُسَخٍ منسوخةٍ، ولقد أدخل النُسّاخُ الكثيرَ من التبديل والتعديل على النصوص وتراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر مثقلاً بألوان التبديل التي ظهرت في عدد كبير من القراءات، فما إن يصدر كتاب جديد حتى تنشر له نُسْخَاتٌ مشحونة بالأغلاط].(12)

فهل مَنْ كان هذا حال كِتَابُهُ يحق له أَنْ يتطاولَ بلا دَلِيلٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَلَا بُرْهَانٍ عَلَى أَشْرَفِ الْكُتُبِ وَأَحْكَمِهَا وَأَضْبَطِهَا وأوثقها ؟!
وبهذا يتبين لكل عاقل أن القرآن الكريم هو أوثق كتاب على وجه الأرض، وأن الذين يتهمون القرآن الكريم بالتحريف يعرفون أن كتابهم كتاب محرف مبدل، ولكنهم يريد إشغال المسلمين بهذه الشبهات والافتراءات لصرف الأنظار عن تحريف كتابهم الذي يسمونه بالكتاب المقدس!!

مراجع البحث:
(1)  فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ص320 ، ط دار ابن كثير – دمشق – بيروت.
(2)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص253 ، ط دار طيبة ، ت: نظر محمد الفاريابي.
(3)  الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454 ، ط مجمع الملك فهد – السعودية ، ت: مركز الدراسات القرآنية. قوله: الضرب = النوع.
(4)  تفسير روح المعاني للإمام الألوسي ج1 ص25  ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.
(5)  سنن سعيد بن منصور ج2 ص433 ط دار الصميعي – الرياض ، ت: الدكتور سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد.
(6)  المستدرك على الصحيحين للحاكم  ح3360 ، ج2 ص403، ط دار الحرمين – القاهرة.
(7)  صحيح البخاري ص1282 ح5019 ، ط دار بن كثير – بيروت.
(8)  فتح الباري للإمام بن حجر العسقلاني ج11 ص251 ، ط دار طيبة – القاهرة ، ت: محمد نظر الفَاريابي.
(9)  عمدة القاري للإمام بدر الدين العيني ج20 ص52 ، ط دار الكتب العلمية ، ت: عبد الله محمود محمد عمر.
(10)  القرآن الكريم ،سورة فصلت ، الآيتان (41 ، 42) .
(11)  مدخل إلى النقد الكتابي للمهندس رياض يوسف داود ص23 ط دار المشرق –  بيروت.
(12)  الترجمة الرهبانية اليسوعية – مقدمة العهد الجديد ص12 ، 13 ، ط دار المشرق –  بيروت.


تمت بحمد الله
كتبه أبو عمر الباحث
غفر الله له ولوالديه
صباح الأربعاء يوم 15 من جمادى الأول لعام 1439 هجريا
الموافق 10 يناير لعام 1018 ميلاديا

 

حول تحريف التوراة والإنجيل الْمُعَاصِرَينِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد

كانت لي حلقة للرد على النصراني رشيد حمامي أَكَّدْتُّ فيها أن القرآن الكريم يقول بتحريف التوراة والإنجيل ، وأثبتُّ ذلك باعتراف رشيد حمامي نفسه

فكتب أحدهم تعليقًا تحت الحلقة يقول فيه:

————————————-

من قال أن التوراة والإنجيل محرفين فهو إما جاهل أو مكابر وكل حديث ذكر فيه أن الكتابين محرفين فهو حديث يتعارض مع نصوص الآيات القرآنية لأن القرآن تحدى بالتوراة والإنجيل على أن يأتي أحد مثلهما (قل فأتوا بكتاب هو أهدى منهما أتبعه) كما استغرب القرآن على اليهود قائلا وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله فلو كانا محرفين لما قال مثل هذا الكلام وهناك آيات أخرى أيضا لم أكتبها إختصارا للكلمة لذلك فمثل هذه الأحاديث تعتبر ساقطة وإن كانت صحيحة لأنها تتصادم مع القرآن فلا يصح الإحتجاج بها أبدا.

————————————–

فقلت:

بل القائل بعدم تحريفها هو الجاهل ، لأن الأدلة تواترت على تحريف هذين الكتابين!

بل مع تواتر الأدلة على تحريف (التوراة والإنجيل ) اضطر علماء النصارى وعلماء اليهود أن يعترفوا بوقوع التحريف فيهما !

هذه القصة من التوراة الموجودة حاليًا في سفر التكوين 32:

[ 24 فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ. 25 وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. 26 وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي». 27 فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ». 28 فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ»].

وعلماؤهم يقولون إن الشخص الذي صارعه يعقوب هو الله !!

فهل هذه القصة من وحي الله ، ووصلت إلينا بدون تحريف ؟!

وجاء في سفر المزامير: (مزمور 78 : 65) [ فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الْخَمْرِ ].

هل ترضى أن يوصف الله بهذا الوصف ، وترضى بأن الله هو الذي أوحى بهذا الوصف عن نفسه ؟!

وهل مولى يخاطب الله رب العالمين ويصفه بالإساءة ؟

[ فقال موسى للرب لماذا اسأتَ الى عبدك ؟ ] سفر العدد 11 – 11

وهل نبي الله يعقوب كذب وسرق النبوة من أخيه عيسو وهل ترضى أن يقال إن نبي الله لوط عليه السلام زنى مع بنتيه كما في سفر التكوين 19 ؟

وهل تؤمن بأن رأوبين يزني بزوجة أبيه نبي الله يعقوب كما في التكوين 35 – 22 ؟

لا أريد الإطالة أكثر من ذلك ، ولكنك بهذا القول على خطر عظيم !!

أما قوله تعالى { قل فأتوا بكتاب هو أهدى منهما أتبعه } فليس دليلا على صحة التوراة والإنجيل الموجودين حاليًا ، فلو أن رجعت لسياق الآيات لعلمت عن ماذا تتحدث !!

قال الله تعالى:

{ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) }.

ولقد كان اليهود يقولون لكفار قريش: سلوا محمدًا أن يفعل الآيات والمعجزات مثل التي فعلها موسى عليه السلام ، فقال اللَّهُ لِنبيه مُحَمَّدْ عليه الصلاة والسلام : قل لقريش، فليقولوا لليهود { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} ، يعني ألم يكفر اليهود بالآيات التي فعلها موسى من قبل ؟!

وكفرت اليهود بِمَا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ ، وقالت قريش نكفر بالكتابين { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ }.

فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لقريش: { فأتوا بكتاب هو أهدى منهما أتبعه }.

أي أعطوني – يا كفار قريش – كتابًا أهدى من القرآن الكريم أو كتابًا أهدى من التوراة التي أنزلها الله على موسى حتى أتبعه.

فالآيات تتحدث عن التوراة التي أنزلها الله على موسى ، وليس التوراة الموجودة اليوم بين أيدي اليهود. أما قوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله }.

فليس دليلًا أيضا على صحة التوراة الموجودة حاليًا.

فالتوراة التي كانت موجودة أيام النبي صلى الله عليه وسلم – مع تحريفها – لكن كان فيه حكم الله وهو الرجم ، فهذا حدث حينما أراد اليهود أن يأخذوا من النبي عليه الصلاة والسلام حُكمًا مختلفًا عن الرجم بخصوص الشخص الذي وقع في الزنا لأنه كان من أشراف اليهود.

فذهب اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم الشخص الزاني وقالوا له: هذا الرجل قد زنى فبِماذا تحكم عليه ؟!

فقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: كيف يتحاكم هؤلاء إليك مع عدم إيمانهم بك ، والتوراة التي بين أيديهم فيها الحكم الإلهي برجم الشخص الزاني ؟!

فالمقصود بالحكم المذكور في الآية هو حكم الرجم فقط ، وليس أن كل التوراة الموجودة في أيدي اليهود صحيحة.

هل ينفي القرآنُ معجزاتِ الرسول ﷺ ؟!

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

كشف أكاذيب النصراني زكريا بطرس وأخيه رشيد حمامي

هل ينفي القرآنُ الكريم معجزاتِ الرسول ؟!

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومن والاه، وبعد:

 فهذا رد عِلْمِيٌّ عَلَى شُبُهَات وافتراءات القُمُّص الكذاب زكريا بطرس والنصراني الكذّاب رشيد حمامي في برنامجه سؤال جريء وأخيهما في الكذب شريف جابر، وبيانِ أكاذيبهم وتدليساتهم على دين الإسلام العظيم.

فقد زعم هؤلاء أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان بلا مُعْجِزَاتٍ !!

واستدل  هؤلاء الكذابون بقوله تعالى: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }.([1])

فقالوا إن القرآن الكريم ينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل أي معجزة لقوله تعالى: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ }. !! وهذا يدل أن الله لم يرسل معه أي معجزة أو آية تدل على نبوته !!

حينما يكذب المرءُ كَذِبَةً فعليه أن يجعلها مُنَمَّقَةً ، ولا تكون مكشوفة بهذه الطريقة!

فالكلُّ يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أكثرُ الأنبياءِ من حيث عدد المعجزاتِ التي أجراها الله على يديه. ولكن زكريا ورشيد وأمثالهما يحاولون إِقْنَاعَ النصارى بعكس ذلك تمامًا اعتمادًا على التدليس والكذب والتزوير، واعتمادًا على أن نصارى العرب لا يقرأون ولا يعرفون !

أولًا:

ما هو سبب نزول هذه الآية ؟!

أقول: روى الإمام أحمد في مُسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ، فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ قَبْلَهُمْ، قَالَ: ” لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ ” فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً}. [الإسراء: 59].([2])

وبناءً عليه فسبب نزول الآية يُوَضِّحُ أن مشركي قريش سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يجعلَ لهم جبل الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ بعيدًا عَنْهُمْ، ليَزْرَعُوا، فأنزل الله قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات ..}. أي هذه الآيات التي طلبوها ، فلم يقصد الله عز وجل نفيَ جميعِ الآيات، وإنما نفى ما طلبه هؤلاء المشركون فقط.

فيكون معنى الآيات أننا لم نبعث عليهم هذه العلامات والآيات التي طلبها المشركون لأننا بعثنا آياتٍ مِثْلَهَا على أُمَمٍ سابقة فَكَذَّبُوا بها ، فلو أرسل الله آياته التي طلبها المشركون ووقع منهم التكذيب بعد إرسالها لأهلكهم الله بكفرهم مثلما أهل الكافرين في الأمم السابقة!!

ونحن هنا نسأل رشيد وإخوانه: هل كنتم تعرفون سببَ نزولِ هذه الآيةِ أم لا ؟!

إن كنتم تعرفون وأخفيتم ذلك عن الناس فأنتم كذابون دجالون، وإن كنتم لا تعرفون فأنتم جُهَّالٌ، والجاهل مكانه أن يجلس عند العلماء ويتعلم ، وليس أن يتصدر ويتكلم بجهل!

وهذا البيان وحده كافٍ لإزالة اللبس الحاصل عند النصارى في فهم الآية!

ثانيًا:

نسأل رشيد حمامي وإخوانه: ( الـ ) المذكورة في أول كلمة {الآيات} ؛ أي نوع من أنواع ( الـ ) ؟؟

هل هي ( أل ) لِبَيَانِ الْعَهْدِ أَمْ ( أل ) للْعُمُومَ وَالشُّمُولَ ؟! أم أنكم لا تعرفون الفرق بينهما؟!

فإن قال رشيد إنها ( أل ) التي تفيد العموم والشمول، قلنا له إِنَّ كُلَّ الْأَدِلَّةِ ضِدُّكُم؛ فسبب النزول والسياق يدلان على غَير ذلك ، تدبر بقية الآية: { وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}.

فهنا ضرب اللهُ المِثَالَ على نوعية الآيات التي طلبها المشركون، وأنها من نفس جنس الآيات

التي يُهْلِكُ اللهُ الْأُمَمَ إذا كَذَّبُوا بها، وليست مِن جِنْسِ الآيات والمعجزات التي أجراها الله على يدي نبيه محمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ، كدعائه المستجاب وشفائه المرضى وتكثير الطعام والشراب بين يديه وكلامه مع ذراع الشاة المشوية التي أخبرته أنها مسمومة وكلامه مع الجمادات وإخراج الشياطين وإخباره بالغيبيات وتسبيح الحجارة بين يديه وقتال الملائكة معه ، وغير ذلك !!

ومعلوم أن ناقة صالح التي جعلها الله مُعجزةً لثمود من جِنْسِ المعجزات التي يَعْقُبُ التَّكْذِيبَ هلاكُ المكذبين ، وليس من جنس المعجزات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس.

فجنس الآيات التي لم يرسلها الله لقريش من جِنْسِ الآيات التي طلبها المشركون والكافرون من قبل؛ كـ ناقة صالح التي أرسلها الله لقومه ثمود، ومع ذلك كفرت ثمود بهذه الآية العظيمة !!

مِثَالٌ للتوضيح:

لو قال قائل: [بنى المهندسون المدرسة] ، فهل يعني ذلك أَنَّ كُلَّ المهندسين شاركوا في بناء المدرسة ؟!

كلا بالطبع!

 فالمقصود من هذا أَنَّ المهندسين الذين تَمَّ اختيارُهم وعُهِدَ إليهم ببناءِ المدرسة هم الذين بَنَوْهَا.

مِثَالٌ ثانٍ:

لو قال قائل: [جاء الطلاب إلى المدرسة] ، فهل جاء كُلُّ الطَّلَّابِ إلى نفس المدرسة أو إلى كل المدارس؟! أم يكون المفهوم أنَّ الطلبة المقصودين بكلامي فقط هم الذين جاؤوا ؟!

كذلك لو قلنا [ذهب الموظفون إلى أعمالهم]، فهل كل الموظفين ذهبوا إلى أعمالهم ؟!

الجواب لا، فمنهم المريض ومنهم المسافر ومنهم من طرأ عليه ظرف ما ووو إلخ ……..

وهذه تُسَمَّى ( أل الْعَهْد )، وليست ( أل الْعُمُوم والشُّمُول ).

والمشركون السابقون طلبوا الناقة كـ آية على صِحَّةِ نبوة نبي الله صالح عليه السلام!

كما ذكر الله لنا ذلك في نفس الآية، فيفهم القارئ مباشرةً أن جِنْسَ الآياتِ التي طلبها مشركو مكة، كانت من نفس جنس الآيات التي طلبها الكافرون والمشركون في الأمم السابقة.

ولا علاقة لهذا بالمعجزات الأخرى التي أجراها الله على يد نبيه محمد عليه الصلاة والسلام !!

وبعضُ مشركي قريش طلبوا من الله أن يهلكهم إذا كان نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم على الحق !! ، فنقل لنا قال الله عز وجل قولَ أبي جهل، فقال: {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

فهذه أيضًا من الآيات التي طلبها المشركون ؛ فلو أَنَّ اللهَ قد استجاب لهم لأهلكهم جميعًا.

ثم إن هذا المفهوم العقيم لدى النَّصَارَى ساقِطٌ بدليل آخر ؛ وهو أن مقتضى فَهْمِهِمْ السقيمِ للآية يكون الله عز وجل قد امتنع عن إرسال المعجزاتِ أيضًا لأنبيائه السابقين ، طالما أن الأمم التي قبل هؤلاء الأنبياء قد كَذَّبُوا أَنْبِياءَهُم ، وهذا باطِلٌ قَطْعًا، عَقْلًا وَشَرْعًا وتاريخًا.

والقرآن الكريم لا يقر هذه الفكرة الغبية ، لأن الله تعالى ذَكَرَ لنا معجزاتِ موسى وعيسى ، وهما ليسا من الأنبياء الأولين ، فقد سبقهما غيرُهُمَا من الأنبياء.

ثالثًا:

إذا أَصَرَّ رشيد حمامي على خِدَاع النصارى بهذه الفكرة الغبية نقول له: خذ الجواب من كتابك:

يقول كاتب إنجيل مرقس:

[ فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَابْتَدَأُوا يُحَاوِرُونَهُ طَالِبِينَ مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يُجَرِّبُوهُ، فَتَنَهَّدَ بِرُوحِهِ وَقَالَ: «لِمَاذَا يَطْلُبُ هذَا الْجِيلُ آيَةً؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَنْ يُعْطَى هذَا الْجِيلُ آيَةً، ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَدَخَلَ أَيْضًا السَّفِينَةَ وَمَضَى إِلَى الْعَبْرِ].([3])

وبحسب فَهْمِ رشيد المريض ؛ فيسوع لم يفعل أَيَّ معجزاتٍ، وإنما فقط قال لهم:  لَنْ يُعْطَى هذَا الْجِيلُ آيَةً! فهل معنى هذا أَنَّ يسوعَ لم يفعلْ أَيَّ معجزاتٍ لأنه قال: [لَنْ يُعْطَى هذَا الْجِيلُ آيَةً] ؟!!

رابعًا:

كثيرًا ما يردد زكريا بطرس ورشيد حمامي أنهما لا يُفَسِّرَانِ القرآنَ الكريمَ مِنْ رَأْسَيْهِمَـا، لكنهما أثبتا لنا أنهما كانا يكذبان علينا حينما قالا ذلك، فلقد تركا إجماعَ المفسرين على ما ذكرناه، وذهبا يُفَسِّرَانِ الآية الكريمة محل البيان بما يتناسب مع أهوائهما !!

يقول الإمام الطبري:

[ القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ}. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا مَنَعَنَا يَا مُحَمَّدُ أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ الَّتِي سَأَلَهَا قَوْمُكَ، إِلَّا أَنْ كَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، سَأَلُوا ذَلِكَ مِثْلَ سُؤَالِهِمْ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مَا سَأَلُوا مِنْهُ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَلَمْ يُصَدِّقُوا مَعَ مَجِيءِ الْآيَاتِ، فَعُوجِلُوا فَلَمْ نُرْسِلْ إِلَى قَوْمِكَ بِالْآيَاتِ، لَأَنَّا لَوْ أَرْسَلْنَا بِهَا إِلَيْهَا، فَكَذَّبُوا بِهَا سَلَكْنَا فِي تَعْجِيلِ الْعَذَابِ لَهُمْ مَسْلَكَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا].([4])

يقول الإمام البغوي:

[ {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ } التي سألها كفار قريش { إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ } فأهلكناهم فإنْ لَمْ يؤمِنْ قَومُكَ بعدَ إرسالِ الآياتِ أَهْلَكْتُهُم، لِأَنَّ مِنْ سُنَّتِنَا في الأمم إذا سألوا الآياتِ ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم ، وقد حكمنا بإهلاك هذه الأمة بالعذاب].([5])

يقول الإمام ابنُ كَثير:

[{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ} أَيْ: نَبْعَثُ الْآيَاتِ وَنَأْتِيَ بِهَا عَلَى مَا سَأَلَ قَوْمُكَ مِنْكَ، فَإِنَّهُ سَهْلٌ

 عَلَيْنَا يَسِيرٌ لَدَيْنَا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ بَعْدَمَا سَأَلُوهَا، وَجَرَتْ سُنَّتُنَا فِيهِمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤَخَّرُونَ إِذَا كَذَّبُوا بِهَا بَعْدَ نُزُولِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} ].([6])

يقول الإمام الألوسي:

[{ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالآيات } أي الآيات التي اقترحتها قريش، فقد أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: سأل أهلُ مَكَّةَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصَّفَا ذَهَبًا وأن يُنَحِّيَ عنهم الجبالَ فيزرعوا، فقيل له: إن شِئْتَ أن تستأني بهم وإن شئتَ أن تؤتيهم الذي سألوا فإنْ كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم فقال عليه الصلاة والسلام: لا بل أستأني بهم فأنزل الله تعالى هذه الآية .. أي وما منعنا الإرسال أو من الإرسال بالآيات إِلاَّ أنْ كَذَّبَ بهَا} أي بجنسها {الأَوَّلُونَ} الأولون من الأمم السابقة المقترحة].([7])

وفي تفسير الجلالين: السيوطي والمحلي:

[“وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِل بِالْآيَاتِالَّتِي اقْتَرَحَهَا أَهْل مَكَّةإلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَلَمَّا أَرْسَلْنَاهَا فَأَهْلَكْنَاهُمْ وَلَوْ أَرْسَلْنَاهَا إلَى هَؤُلَاءِ لَكَذَّبُوا بِهَا وَاسْتَحَقُّوا الْإِهْلَاك، وَقَدْ حَكَمْنَا بِإِمْهَالِهِمْ لِإِتْمَامِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ].([8])

يقول الشوكاني:

[ قال المفسرون : إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذَهَبًا وأن يُنَحِّيَ عنهم جبالَ مَكَّةَ ، فأتاه جبريل فقال: إن شئتَ كان ما سأل قومك، ولكنهم إنْ لم يؤمنوا بها يمهلوا وإن شئتَ استأنيتَ بهم ، فأنزل اللهُ هذه الآية ، والمعنى: وما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إِلَّا تكذيب الأوّلين ، فإنْ أرسلناها وكذب بها هؤلاء عُوجِلُوا ولم يُمْهَلُوا كما هو سُنَّةُ الله سبحانه في عِبَادِهِ ].([9])

يقول الشيخ السعدي:

[ ذكر تعالى رحمته بعدم إنزاله الآيات التي يقترح بها المكذبون .. فإذا كَذَّبوا بها عَاجَلَهُم الْعِقَابُ وَحَلَّ بهم من غير تأخير كما فَعَلَ بالأولين الذين كذبوا بها].([10])

يقول الشيخ أبو بكر الجزائري:

[ { أن نرسل بالآيات } : أي بالآياتِ الَّتِي طلبها أهلُ مَكَّةَ كتحويل الصَّفَا إلى جبل ذهب، أو إزالة جبال مكة لِتَكُونَ أَرْضًا زِرَاعِيَّةً وإجراءِ الْعُيُونِ فيها. { إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ } : إذْ طالب قَومٌ بالآية، ولما جاءتهم كفروا بها فأهلكهم الله تعالى].([11])

وبناءً على ما سبق أقول إِنَّ زكريا بطرس ورشيد حمامي وغيرَهما ممن يحاول نفيَ معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم استدلالًا بهذه الآية غنما كانوا يكذبون ويفترون ويخدعون النصارى المساكين!!

 

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

صباح الأربعاء يوم 7 من جمادى الأولى لعام 1439 هجريا

الموافق 24 من يناير لعام 1018 ميلاديا

 


([1])  سورة الإسراء – الآية : 59.

([2])  مسند الإمام أحمد ج4 ص173، ط الرسالة – بيروت.

([3])  إنجيل مرقس – الإصحاح 8 الأعداد من 11إلى 13.

([4])  تفسير الطبري ج14 ص635، ط دار هجر – الجيزة.

([5])  تفسير البغوي  ج5 ص102، ط دار طيبة – الرياض.

([6])  تفسير القرآن العظيم ج5 ص91، ط دار طيبة – الرياض.

([7])  روح المعاني  ج15 ص103، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.

([8])  تفسير الجلالين:  جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي ص372، ط دار الحديث – القاهرة.

([9])  فتح القدير  ج3 ص282، ط دار ابن كثير، دار الكلم الطيب – بيروت.

([10])  تفسير السَّعْدِي: تيسير الكريم الرحمن ص461، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([11])  أيسر التفاسير ج3 ص206، ط مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة.

%d مدونون معجبون بهذه: