قَاتَلَ معه رِبِّيُّونَ أم قُتِلَ معه رِبِّيُّونَ؟!

قَاتَلَ معه رِبِّيُّونَ أم قُتِلَ معه رِبِّيُّونَ! إعجاز أم تحريف ؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

فقد طرح أحدهم سؤالًا حول اختلاف القراءات ، وقد أجبته على قناة مكافح الشبهات في التعليقات، ورأيت أن أضع الجواب هنا ليستفيد منه من يحتاج إليه:
وكان السؤال حول قوله تعالى في سورة آل عمران – الآية 146: { وكأين من نبي قتل مع رِبِّيِّونَ كثير }. فهي في قراءة حفص تُنْطَق هكذا { قَتَلَ }، وأما في قراءة ورش فتنطق هكذا: { قُتِلَ }.

فقلت وبالله التوفيق:
وسبب الخلاف بين حفص وورش هو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأها هكذا هكذا، فقرأ حَفْص بالقراءة الأولى { قَتَلَ }، وقرأ وَرْش بالثانية { قُتِلَ }.، وكلُّ هذه القراءات وَحْيٌ من الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فالآية مكتوبة هكذا في المصحف الإمام: { وكأين من نبي قتل مع ربيون كثير }. لكن بدون تشكيل أو تنقيط لكي تحتمل الآية جميعَ القراءاتِ المُوْحَى بها من الله، وستجد في قراءة حفص في كلمة { قَتَلَ } أنه يوجد حرف ألف صغير بعد حرف القاف ، ويسمى ألف الإلحاق. وكذلك كل المصاحف التي كُتِبَتْ على رواية حفص عن عاصم وَضَعَتْ أَلِفًا صَغِيرًا مُضَافًا بعد حرف القاف وقبل حرف التاء وسيكون التشكيل هكذا: { قَـتَـلَ }. وتُقرأ الكلمة هكذا: { قَـاتَـلَ معه ربيون كثير}.
والمصاحف التي كتبت على رواية ورش ستجدها والتشكيل هكذا: { قُـتِـلَ } وتنطق كما هي مكتوبة.
فالرسم العثماني واحد في الحالتين ليحتمل القراءتين جميعًا، لأن القراءتين وحي من الله جل جلاله.

والآن نأتي إلى المعنى:
لا شك أن القتال والقتل يختلفانِ عن بعضهما من حيث الدلالة والمعنى. مع أن أحدهما وهو القتال قد يُفْضِيفإلى الآخر وهو القتل.
وهنا في هذه الكلمة أنزل الله عز وجل إعجازًا عظيمًا، وهو أنه قد أخبرنا سبحانه بكلا المعنيين في نفس الكلمة، عن طريق تَنَوُّع القراءات.
فهذه الآية تمدح الربيين الذين آمنوا مع الأنبياء وثبتوا معهم في ميادين الجهاد والقتال.
فقوله { قَاتَلَ }، يشمل كلَّ مَنْ قاتلَ مع هؤلاء الأنبياء سواءً اسْتُشْهِدُوا وَقُتِلُوا أم لا، فالكل مقصود وممدوح بهذا اللفظ.
وأما قوله { قُتِلَ } فهذه تختص وتتعلّق فقط بمن مات من الرِبِّيِّينَ شَهِيدًا في هذه المعارك.
فيكون الله عز وجل أثنى على المجاهدين المُقَاتِلِين مرة، وأثنى على الشهداء مرتين.
ولا شك أن الشهادة في سبيل الله كرامةٌ كبيرة لا تعدلها كرامةٌ أخرى.
فاستحق أصحابُها الثناءَ والمديحَ من رب العالمين جل جلاله ، لأنهم هم الذين جاهدوا بأنفسهم وأرواحهم في سبيل الله.
والنَّفْسُ هي أغلى ما يملكه الإنسان، فإذا قدمها في سبيل الله فإن الله يجعل صاحبها في أعلى الدرجات في الآخرة.
كما قال تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }. (النساء)( 69 )
وقراءة المسلمين للقرآن الكريم تتنوع بحسب القراءة التي سيقرأون بها طالما أنها صحيحة عن الرسول عليه الصلاة والسلام. فإذا كانوا سيقرأون بقراءة حفص فستجد كل المسلمين الذين يقرأون بهذه القراءة { قَـاتَـلَ معه ربيون كثير}. دون اختلاف بينهم.
ومن يقرأ برواية روش في أي مكان ستجدهم لا يختلفون في لفظ وقراءة الآية هكذا { قُتِلَ معه ربيون كثير }.  بنفس هذه الطريقة.

وهذا قد حدث بالفعل، فسياق الآيات يتحدث عن غزوة أُحُدٍ التي قتل فيها سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبهذا الإعجاز العظيم تحدث الله سبحانه وتعالى عن فئتين:

1. المقاتلين الذين ظلوا أحياء.

2. الشهداء الذين استشهدوا في ميدان الشرف والكرامة والعزة والبأس.

وكلاهما يستحق المديح والثناء من الله، وقد أثنى الله على الفئتين معًا في آية واحدة، وجعل الثناءَ على الفئة الثانية مُضَاعَفًا عن الأولى في كلمة واحدة بتنوع القراءات ؛ فهل هذا تحريف أم إعجاز ؟!
مثال آخر للتوضيح في تنوع القراءات:
الله عز وجلَّ يقول: { وما الله بغافل عما تـعملون }، وفي قراءة أخرى { وما الله بغافل عما يـعملون }.
فكان الخطاب للحاضرين بقوله { تـعملون } ، وكان الخطاب للغائبين بقوله { يـعملون }.
ففي كلمة واحد خاطب الله الحاضرين والغائبين بتنوع القراءات.
واختلاف المفسرين هو من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، فلن تجد أحدهم يقول الله في السماء، ويقول الثاني الله في الأرض. والمعاني في كل القراءات تكامُلِيَّة وليست تصادميّة. 

فبعد هذا الإعجاز الخطير في القرآن الكريم أيجوز أن يقال إن هذا تحريف كما يقول الجهَّال ؟!

والحمد لله رب العالمين ،،،،

Advertisements

إشكالات حول معاوية والجواب عنها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد.

فهذا جواب مختصر عن بعض الإشكالات التي أثارها أحد الإخوة اليوم في تعليقه على قناة مكافح الشبهات

فقال:

[[من أين أتيت بأن معاوية إذا نزل على رسول الله ص الايات ارسل الى معاوية ليكتب الايات ؟

لا حظ : (يكتب الايات )من أتيت بها هل لديك إسناد – يا مهووووس بالاسانيد – ؟ لن تجيب يا حضرة المحقق الكبير !!! لأنك لاتهمك الحقيقة والحق بل لأنك غال في موضوع الصحبة !! قال ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة (6/ 121) :”وقال المدائنيّ: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، وكان معاوية يكتب للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم فيما بينه وبين العرب”. ولو صح أنه كتب الوحي ما موقفك من الذين كتبوا الوحي وارتدوا ؟! مثل : ابن خطل ، ابن أبي السرح ، والرجل الذي لفظته الأرض !! هل كتابة الوحي بمانعة من الردة والظلم ووو إلخ يا علامة زمانك ؟ أتدري لماذا ذكروا عن معاوية أنه كاتب الوحي وخال المؤمنيين ؟ – بل وجدت في بعض الروايات التاريخية أن هذا حجج معاوية بفضله في مناظرة علي عليه السلام في الرسائل – لأنه لم يجد لنفسه فضائل بل طليق ابن طليق أسلموا كرهاً بالسيف قال ابن حجر فتح الباري لابن حجر (7/ 104) ” واخرج بن الجوزي أيضا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي ما تقول في علي ومعاوية فأطرق ثم قال اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادا منهم لعلي فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما والله اعلم” . من هم أعداؤه يا علامة زمانك ؟]].

فرددت عليه قائلا:
حياك الله أخي الكريم.
حاول تهدأ قليلًا بارك الله فيك، واقرأ كلامي القادم بعين الإنصاف.
فإن وجدتَ فيه حَقًا فاقبلْه، وإن وجدت فيه باطلًا فبيّن ما فيه من بُطلان.
تقول: [من أين أتيت بأن معاوية إذا نزل على رسول الله ص الايات ارسل الى معاوية ليكتب الايات ؟ لا حظ : (يكتب الايات )من أتيت بها هل لديك إسناد].
نعم لديّ إسناد متصل صحيح كالشمس في ضحاها.
• روى الإمام البيهقي في الدلائل:
[ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا جَاءَ إِلَّا إِلَيَّ فَاخْتَبَأْتُ عَلَى بَابِ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ» ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ ].  قال البيهقي:
[  أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَادَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبُو حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا جَاءَ إِلا إِلَيَّ، فَاخْتَبَأْتُ عَلَى بَابِ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، فَقَالَ: ” اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ].
دلائل النبوة للبيهقي (6/ 243)  دار الكتب العلمية، دار الريان للتراث.
أما قولك: [لن تجيب يا حضرة المحقق الكبير !] ؛ فهذا رجمٌ بالغيب، عافاك الله منه !
تقول: [ لأنك لاتهمك الحقيقة والحق بل لأنك غال في موضوع الصحبة].
وهذا غير صحيح، فأنا على مذهب ابن حَجَرٍ العسقلاني وغيره من العلماء في مسألة الصحابة والصحابة.
تقول: [قال ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة (6/ 121) :”وقال المدائنيّ: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، وكان معاوية يكتب للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم فيما بينه وبين العرب”].
وأنا أقول : قال الإمام ابن حجر العسقلاني:
[ معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي ومات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين ].
تقريب التهذيب ـ ص470 ت6758 ط الرسالة – بيروت.
لاحظ معي جيدا: [ وكتب الوحي ]
تقول: [ولو صح أنه كتب الوحي ما موقفك من الذين كتبوا الوحي وارتدوا ؟! مثل : ابن خطل ، ابن أبي السرح ، والرجل الذي لفظته الأرض !! هل كتابة الوحي بمانعة من الردة والظلم ووو إلخ يا علامة زمانك ؟ ].
وأقول:
1. قياس الذين كتبوا الوحي وارتدوا على الذين كتبوا الوحي ولم يرتدوا ؛ قياس غير صحيح.
2. لو كان لديك أن معاوية رضي الله عنه قد ارتد فأعطني إياه، بارك الله فيك.
3. ابن خطل لم يكن من كتبة الوحي حسب علمي، ولو كنتُ مخطئًأ فأرجو ان تصحح لي لأني لا أذكر شيئا كذلك.
4. قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح تكلمتُ عنها هنا إذا أردت الفائدة:
https://www.youtube.com/watch?v=8oGXcnIn9nM
5. الرجل  الذي لفظته الأرض، قد حَفِظَ البقرة وآل عمران ثم ارتد نصرانيًا. فهل معاوية ارتد أو تنصر حتى تقيس عليه هذا المرتد ؟!

لا ينبغي أبدًا أن تأتي برواية رجل مرتد لتدلل بها على ردة غيره، فعليك أن تثبت ردة معاوية كما أثبتَّ ردة النصراني الآخر!
تقول بارك الله فيك: [أتدري لماذا ذكروا عن معاوية أنه كاتب الوحي وخال المؤمنيين ؟]
نعم أدري طبعًا:
1. سماه العلماء كاتب الوحي لأنه كان يكتب الوحي لرسول صلى الله عليه وسلم.
2. سماه العلماء بخال المؤمنين لأنه أخو أمِّ المؤمنين رملة بنت أبي سفيان، وكذلك ابن عمر خال المؤمنين لأنه أخو أمِّ المؤمنين حفصة، وكذلك عبد الرحمن بن أبي بكر خال المؤمنين لأنه أخو أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عن الجميع.

تقول حفظك الله: [ بل طليق ابن طليق أسلموا كرهاً بالسيف ].

وهذا طعن في النبي صلى الله عليه وسلم واتهامٌ صريح له أنه خالف القرآن الكريم وأكره الناس على اعتناق الإسلام!

فالله سبحانه وتعالى يقول: {لا إكراه في الدين}، ويقول: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تُكْرِهُ الناسَ حتى يكونوا مؤمنين}.

فمعاذَ الله أن يُكْرِهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا على الإسلام، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم.

تقول غفر الله لنا ولك: [ واخرج بن الجوزي أيضا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي ما تقول في علي ومعاوية فأطرق ثم قال اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادا منهم لعلي فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما والله اعلم” ].

وإليك الجواب:

أولا: لم تذكر لنا الكلام الذي قاله ابن حجر العسقلاني قبل الكلام المذكور. فابن حجر يثبت الفضائل لمعاوية رضي الله عنه وليس ينفيها، فقال في ” باب ذكر معاوية رضي الله عنه” : [ تَنْبِيهٌ عَبَّرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ ذِكْرُ وَلَمْ يَقُلْ فَضِيلَة وَلَا منقبة لكَون الْفَضِيلَة لاتؤخذ من حَدِيث الْبَاب، لَأن ظَاهر شَهَادَة بن عَبَّاسٍ لَهُ بِالْفِقْهِ وَالصُّحْبَةِ دَالَّةٌ عَلَى الْفَضْلِ الْكثير وَقد صنف بن أَبِي عَاصِمٍ جُزْءًا فِي مَنَاقِبِهِ وَكَذَلِكَ أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ وَأَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ]. فتح الباري لابن حجر (7/ 104)

انتبه جيدًا لكلامه: [ لَأن ظَاهر شَهَادَة بن عَبَّاسٍ لَهُ بِالْفِقْهِ وَالصُّحْبَةِ دَالَّةٌ عَلَى الْفَضْلِ الْكثير ] فابن حجر يثبت لمعاوية الفضل الكثير، بل نقل لنا ابن حجر أسماء ثلاثة من العلماء الذين صنفوا الكتب التي أثبتت الفضلَ لمعاوية رضي الله عنه، فقال: [ وَقد صنف بن أَبِي عَاصِمٍ جُزْءًا فِي مَنَاقِبِهِ وَكَذَلِكَ أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ وَأَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ ].

ثانيا: ابن الجوزي متوفى عام 597 هجرية، وعبد الله بن أحمد بن حنبل متوفى عام 290، فهل تسمح أن تذكر لي السند بينهما حتى ننظر في صحة الرواية عن الإمام أحمد وابنه؟!

ثالثا: إليك كلام الإمام أحمد بن حنبل بالسند الصحيح المتصل إليه: قال أبو بكر الخلال: [ أخبرني أحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن يحيى أن أبا طالب حدثهم أنه سأل أبا عبدالله أقول معاوية خال المؤمنين وابن عمر خال المؤمنين قال نعم معاوية أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ورحمهما 2 وابن عمر أخو حفصة زوج النبي ورحمهما قلت أقول معاوية خال المؤمنين قال نعم . وإسناد الرواية صحيح. السُنَّة للخلال (2/ 433) ط دار الراية – الرياض. رقم الرواية 657.

وقال عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْم‍َيْمُونِيُّ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إِلَّا صْهِرِي وَنَسَبِي» ؟ قَالَ: ” بَلَى، قُلْتُ: وَهَذِهِ لِمُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَهُ صِهْرٌ وَنَسَبٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: «مَا لَهُمْ وَلِمُعَاوِيَةَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ». السنة لأبي بكر بن الخلال (2/ 432)

وقال الخلال: [ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: وَجَّهْنَا رُقْعَةً إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَاتَبُ الْوَحْيِ، وَلَا أَقُولُ إِنَّهُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا بِالسَّيْفِ غَصْبًا؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا قَوْلُ سَوْءٍ رَدِيءٌ، يُجَانَبُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَلَا يُجَالَسُونَ، وَنُبَيِّنُ أَمْرَهُمْ لِلنَّاسِ]. السنة لأبي بكر بن الخلال (2/ 434)

وأخيرا، وفقنا الله واياكم لما يحب ويرضى ،،،،

Re:(سبع حقائق صادمة عن أبي هريرة)

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب صفحة أصوات مغاربية

الرد على مقطع (سبع حقائق صادمة عن أبي هريرة) رضي الله عنه

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فهذا بحث علمي أرد فيه على افتراءات غُلَامٍ مغربي جديد حاول الطعن في السُّنَّة النبوية عن طريق الطعن في أهم رواتها وأشهرهم على الإطلاق عند المسلمين، وهو أبو هريرة رضي الله عنه صاحِبُ رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أقسمتُ بالله جل جلاله لَأُنْسِيَنَّه وَساوِسَ الشيطانِ بهذه الحلقة.

وكالعادة سأعرض افتراءاته وَاحِدًا تِلْوَ الآخر، ثم أرد عليه بحول الله وقوته:

يقول الكذوب: [المنتقدون لأبي هريرة بحثوا في الدفائن الإسلامية وخرجوا بهذه الخُلاصة: أبو هريرة كان يدس الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم].

——-

ولست أدري لماذا وضع لنا الكذوبُ النتيجة قبل طرح الحيثيات!!

أَوَّلًا:

إذا كان أبو هريرة يَدُسُّ الحديثَ على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا ريب أَنَّ الصَّحَابَةُ هُمْ أَوَّلُ مَنْ سيعرف ذلك، لأنهم يعرفون ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم مما لم يقله!

لكننا إذا بحثنا في الكتب سنجد الصحابةَ أنفسَهم رضي الله عنهم يشهدون لأبي هريرة بالثقة والصدق والأمانة والديانة.

فهذا شيء من شهادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة:

فعبد الله بن عمر بن الخطاب ؓ يقول له: [يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ].([1])

طلحة بن عبيد الله ؓ، سأله رجل فقال له: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْتَ هَذَا اليَمَانِيَّ، يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ، أَهُوَ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكُمْ؟! نَسْمَعُ مِنْهُ مَا لاَ نَسْمَعُ مِنْكُمْ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ. قَالَ: أَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ نَسْمَعْ عَنْهُ، وَذَاكَ أَنَّهُ كَانَ مِسْكِينًا لاَ شَيْءَ لَهُ ضَيْفًا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدُهُ مَعَ يَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنَّا نَحْنُ أَهْلَ بُيُوتَاتٍ وَغِنًى، وَكُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، لاَ أَشُكُّ إِلاَّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَلاَ تَجِدُ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ].([2])

أما أم المؤمنين عائشة عليها السلام، فَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَجْلِسُ إِلَى حُجْرَتها، فَيُحَدِّثُ، ثُمَّ يَقُوْلُ: يَا صَاحِبَةَ الحُجْرَةِ، أَتُنْكِرِيْنَ مِمَّا أَقُوْلُ شَيْئاً؟ فَلَمَّا قَضَتَ صَلاَتَهَا، لَمْ تُنْكِرْ مَا رَوَاهُ، لَكِنْ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ الحَدِيْثَ سَرْدَكُمْ].([3])

وأما أبو أيوب الأنصاري فكان يحدث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَشْعَثَ بنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: أَتَيْتُ المَدِيْنَةَ، فَإِذَا أَبُو أَيُّوْبَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقُلْتُ: وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ سَمِعَ، وَأَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ].([4])

وحدَّث أبو هريرة بحديث، فنقلوه لابن عمر، فقال: أَكْثَرَ أبو هريرةَ على نَفْسِهِ، قال: فقيلَ لِابْنِ عُمَرَ: هل تُنكِرُ شَيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجْتَرَأَ وَجَبُنَّا قال: فبلغ ذلك أبا هريرة، قال: فما ذنبي إن كنتُ حَفِظتُ ونَسُوا؟!.([5])

وأما زيد بن ثابت كاتب الوحي، فكان يرسل مَنْ يسأله في الدين إلى أبي هريرة:

فعن مُحَمَّد بن قَيْسِ بنِ مَخْرَمَةَ: [أَنَّ رَجُلاً أَتَى زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي بَيْنَمَا أَنَا وَهُوَ وَفُلاَنٌ فِي المَسْجِدِ، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَدْعُوْ، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا، فَجَلَسَ إِلَيْنَا، فَسَكَتْنَا. فَقَالَ: (عُوْدُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيْهِ). فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَجَعَلَ رَسُوْلُ اللهِ يُؤَمِّنُ، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ هَذَانِ، وَأَسَأَلُكَ عِلْماً لاَ يُنْسَى. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (آمِيْنَ). فَقُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْماً لاَ يُنْسَى. قَالَ: سَبَقَكُمَا الغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ].([6])

بل إن أبا هريرة نفسه كان لا يبدأ الحديث إِلَّا بعد أن يحذر أهل مجلسه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عَاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبيه أنه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَكَانَ يَبْتَدِئُ حَدِيْثَهُ بِأَنْ يَقُوْلَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”].([7])

سنكمل كلام هذا الشخص، وبعد الرد عليه سيرى المشاهد الكريم تطبيقًا عمليًّا للمثل القائل:

يقول: [من يكون أبو هريرة؟! الحقيقة الصادمة: لا نعرف من يكون ولا أحد يعرف].

————–

الجواب:

الكل يعرف أبا هريرة حق المعرفة، الصحابة والتابعون على السواء، لكنَّ المختلَفَ فيه هو اسمه فقط، وأغلب الناس لم يكونوا يعرفون اسمَه لأنه لم يَكُنْ يُنَادَى بِهِ بَينَ النَّاسَ، وَإِنَّمـَا كان يُعْرَف ويُنَادَى بأبي هريرة. فهل الناس فعلًا كانوا لا يعرفون أبا هريرة؟!

مثال:

فرعون هذا لقب عن شخص كان يحكم مصر في فترة من الزمان، يعني فرعون ليس اسْمًـا، وإنما هو لقب، والمؤرخون مختلفون حول اسمه، فهل ننفي وجودَ فرعون لأننا لا نعرف اسمه؟!

ما هو الضير أنْ يكونَ اسمُ أبي هريرةَ الحقيقيُّ غَيرَ مَعْرُوف؟!

أبو هريرة مشهور بين الصحابة والتابعين وكل علماء الأمة الإسلامية بهذا الاسم أو بهذه الكنية، فهل هذا يطعن في شخصه؟! كيف نجعل الخِلَافَ في اسم أبي هريرة خِلَافًا في شخصه؟!

قال الإمام أبو عمر بنُ عبد الْبَرِّ:

[وقد غلبت عَلَيْهِ كنيته، فهو كَمَنْ لَا اسْمَ له غيرها].([8])

قال العَلَّامَةُ أحمد شاكر:

[وقد اشْتَهَرَ بكنيته (أبو هريرة)، حتى غَلَبَتْ عَلَى اسْمِهِ، فَكَادَ يُنْسَى].([9])

سؤال:

مَنْ مِنَ المسلمين يعرف أبا المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب التكريتي؟!

أكثر من 99 بالمئة و9 من عشرة من المسلمين وغير المسلمين لا يعرفون هذا الاسم.

لكن حينما أقول لقبه “صلاح الدين الأيوبي”، فلا شكَّ أن الكُلَّ يعرفه سواءً كانوا مُسْلِمين أو غيرَ مُسْلِمين، لأنَّ صلاح الدين مشهورٌ عند جميع الناس بهذا اللقب.

فهل إذا نَسِيَ الناسُ اسْمَ صلاحِ الدين الحقيقيِّ يجعلنا نشكك في شخصيته أو في وجوده؟!

وهل إذا اختلف الناسُ في اسمه يجعلنا هذا نشكك في شخصه؟!

طيب ما رأي صاحب المقطع أَنَّ لدينا روايةً صحيحةً تحدد اسْمَ أبي هريرة صَرِيحًا على لِسانه؟!

قال الحافِظُ ابن حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:

[وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان اسمي: عَبْدُ شَمْس].([10])

ثم قال ابن حَجَر: [الرواية التي ساقها ابنُ خزيمة أَصَحُّ ما ورد في ذلك، ولا ينبغي أن يُعْدَلَ عنها، لأنَّه رَوَى ذَلِكَ عن الْفَضْلِ بن موسى السيناني عن محمد بن عمرو، وهذا إسناد صحيح متصل، وبقية الأقوال أما ضعيفة السند أو منقطعة].([11])

المشكلة أن الغلام وأمثاله يعتمدون على عدم معرفة الآخرين بما يقولون! ولكن أنا وأمثالي لكم بالمرصاد إن شاء الله.

———–

ثانيًا: قال المتكلم: [أورد الذهبيُّ أنَّ أبا هريرة كان يدلس]

قُلْتُ: الذهبي أَوْرَدَ هذه الروايةَ ليبينَ معنى “التدليس” المقصود في الرواية:

قال الحافظ الذهبي:

[قَالَ يَزِيْدُ بنُ هَارُوْنَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُدَلِّسُ.

قُلْتُ: تَدْلِيْسُ الصَّحَابَةِ كَثِيْرٌ، وَلاَ عَيْبَ فِيْهِ، فَإِنَّ تَدْلِيْسَهُمْ عَنْ صَاحِبٍ أَكْبَرَ مِنْهُمْ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُوْلٌ].([12])

يعني التدليس المقصود ليس هو التدليس بمعناه المشهور في زماننا، وإنما معناه أنَّ أبا هريرة حينما يروي حديثًا نبويًا سمعه مَثَلًا من أبي بكر الصديق؛ فإنه لا يرويه عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وإنما يختصر فيقول: قال رسولُ الله مُبَاشَرَةً، لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يعرف يَقينًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصديقَ ثِقَةٌ صَادِقٌ أَمِينٌ وكذلك غيره من الصحابة، ويستحيل أن يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فما هي المشكلة أَنْ يُسْقِطَ أبو هريرة الصحابيَّ الذي سَمِعَ الروايةَ عن رسول الله منه، ويرويها مباشرةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

والذهبي قال إن هذا التدليس كثير في الصحابة، يعني كثير من الصحابة كانوا يفعلون ذلك!

وعليه فأبو هريرة لم ينقلْ لنا ما سمعه عن رسول الله فقط، وإنمَّـا نقل عن صحابةٍ أكبرَ منه!

قال المتكلِّمُ [الذهبي قال إِنَّ أبا هريرة أورد أحاديثَ غريبةً بالمئات]

مَعَ أَنَّ في نفس الصفحة أَوْرَدَ الذهبيُّ أَنَّ ابنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ أحاديثِ أبي هريرة، هل ينكر منها شيئًا فقال: لا!! وهذه الصفحة من سير أعلام النبلاء خُصُوصًا كان الذهبي يورد الشبهاتِ التي أُثِيرَتْ حول أبي هريرة، ليردَّ عليها ويجيبَ عنها ويبينَ بُطْلَانَهَا بمنتهى الإنصاف والحياديَّة!

لكن هذا المتكلِّم أَخَذَ تلك الشبهاتِ من كتاب الذهبي دون أن يُخْبِرَ مشاهديه أَنَّ الذهبيَّ رحمه الله رد عليها وَنَسَفَهَا نَسْفًا!!

وذلك لأنه يعتمد على أن مشاهديه لن يبحثوا خلفه عن تدليسه وكذبه على سيدنا أبي هريرة!!

فالمتكلم استخدم كلمة “تدليس” التي قالها شُعْبَة عن أبي هريرة، لِيَفْهَمَهَا بِفَهْمِهِ السقيم المريض، مَعَ أَنَّ المعنى المعروف عند العلماء لكلمة “تدليس” بحسب علم مصطلح الحديث ليس نفس المعنى المشهور اليوم لهذه الكلمة!! فالكلمة اليوم تعني الخداع وإلباس الحق ثوب الباطل!

فهل هذا المعنى صدر من أبي هريرة رضي الله عنه؟!

ثم تحدث المسكين عن أمية أبي هريرة!! وَكَأَنَّ أُمَّيَّةَ أبي هريرةَ تَعِيبُه؟!

الكل يعلم أن أغلب الصحابة كانوا أُمِّيِّينَ، وكانوا يحفظون القرآن والحديث حِفْظًا دون قراءةٍ أو

كتابةٍ، فهل إذا فَعَلَ أبو هريرة ذلك يكون مخطئًا!!

على الأقل أبو هريرة لم يتحجج بأمِّيَّتِهِ على ترك تعلم الحديث النبوي وعدم حفظه، وإنما كان يسعى دومًا لتحصيل سُنَّةِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بها ونَشْرِهَا بين الناس.

ثالثًا:

ثم ذكر المتكلم “مسألة الاعتراض على عدد أحاديث أبي هريرة“:

وإليك الجواب:

مثال:

رجل حصل على درجة الدكتوراة في الجراحة، واشتغل بالجراحة لمدة سنتين فقط، وفي هاتينِ السنتين اشتغل هذا الشخص بأعمال أخرى كانت تشغل وقته عن الجِرَاحَةِ حتى مات.

رجل آخر على حصل على الدكتوراة في الجراحة واشتغل بالجراحة فقط لمدة 48 عَامًا حتى موته.

فمَنْ مِنهما سيكون له النَّصِيبُ الأكبر من عدد العمليات الجراحية؟ أليس الذي اشتغل بالجراحة لمدة 48 عَامًا حتى مات، ولم يشتغل بغيرها؟!

أبو بكر الصديق هو أقربُ الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنَّه تَوَلَّى الْخِلَافَةَ مُبَاشَرَةً بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ، فلم يكن لديه وَقْتٌ لِيَجْلِسَ فَيُحَدِّثَ الناسَ وَيُعَلِّمَهُمْ أحاديثَ الرسول صلى الله عليه وسلم وسُنَّتَهُ الشريفة.

ثم إن أبا بكر مات بعد الرسولِ صلى الله عليه وسلَّمَ بسنتينِ وبِضْعَة أشهر، يعني مات سنة 13 هجرية، أما أبو هريرة فعاش إلى سَنَةِ 59 هجرية، مع اشتغال أبي بكر بأمور الأمة السياسية والخلافة والحكم، وَتَفَرُّغِ أبي هريرة للحديث وتعليمِ الناس أمورَ دِينِهِمْ.

ونفس حال أبي بكر أو قريب منه حالُ عمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عن الجميع، فأبو هريرة منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مشتغلٌ بتعليم المسلمين للحديث والسنة النبوية.

فطبيعي جدًا أن يكون أبو هريرة أكثرَ حَدِيثًا من أبي بكر الصديق ومن عمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عن الجميع.

وهناك صحابة آخرون لهم عددُ أحاديثَ أكثر من الخلفاء الأربعة مثل عبد الله بن عمر وأنس بن

مالك وابن مسعود وعائشة، لأن هؤلاء لم يشغلهم شيء عن تعليم الناس أمورَ دينهم إلا قَلِيلًا.

وعلى سبيل المثال ستجد عمرَ بن الخطاب أكثر حديثا من أبي بكر الصديق، وتجد عثمانَ بنَ عفان أكثر حديثًا من الاثنين، وتجد عليَّ بن أبي طالب أكثرَ حديثًا من الثلاثة، وهكذا!!

مرة أخرى أعيد وأكرر، مشكلة الجهلة المتسلِّقِينَ على السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وعلى حُصُونِ الإسلام

العظيم عُمُومًا أنهم لا يعرفون شَيئًا عن الإسلام العظيم، وليس لديهم تَصَوُّرٌ صحيحٌ عن حَيَاةِ الرسول صلى الله عليه وسلم ولا حياة أصحابه رضي الله عنهم.

المضحك في الأمر أن أبا هريرة نفسَه أجاب عن هذه المسائل وهذه الشبهات في حياته، لأن بعض الناس سأل عنها في حياة أبي هريرة نفسه.

لكنَّ خصومَ الإسلامِ يعتمدون على أَنَّ أَغْلَبَ المسلمين لا يَعْرِفُونَ عن دينهم إلا أقلَّ القليل!!

ثم أقول: من المعلوم أنَّ أبا بكرِ الصديقَ أَسْلَمَ قبل عمر بن الخطاب، فينبغي – بحسب كلام هذا الشخص الذي أرد عليه – أن يكون أبو بكر أكثرَ حديثًا من عمر بن الخطاب!

لكن الواقع بخلاف هذا، فعمر بن الخطاب أكثرُ حديثًا من أبي بكر الصديق، لأنه عاش حتى سنة 23 هجرية، فهل نقارن عددَ أحاديثِ عمرَ بنِ الخطاب بعدد أحاديث أبي هريرة الذي عاش حتى سنة 59 هجرية؟!

ويقول المتكلم في الفيديو: يتساءل المنتقدون من أين أتت كل هذه الأحاديث؟!

قلتُ: كأنَّه لا يَعرف أَنَّ هؤلاء المنتقدين جهلة وأن الرد عليهم تَمَّ في زمانهم، وتم إفحامُهُمْ وإثباتُ جهلِهم وكذبِهم وهم أحياء، وأنهم عجزوا عن الرَّدِّ على مَنْ رَدَّ عليهم وأظهرَ جَهْلَهُمْ!!

فَكُلُّ شبهاتِ المتكلم في الفيديو مأخوذة من كتابين، وهما:

  • كتاب أضواء على السنة المحمدية.
  • كتاب شيخ المضيرة.

وكلاهما من تأليف الكذَّاب الهالك محمود أبي ريَّة([13]) لا رَحِمَهُ الله، ونقل عنهما المرتزق “وضاح صائب” كثيرًا من أكاذيبه، وهذان الكتابانِ تم الرَّدُّ على كل حَرْفٍ فيهما بعدة كتب، أذكر منها للقارئ الكريم كتابَ: الأضواء الكاشفة للعلامة المحقق عبد الرحمن بن يَحْيَى الْـمُعَلِّمِيِّ اليماني رحمه الله، وكتابَ: السُّنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله.

لكن ليس لدينا مشكلة أن نرد ونبين تلك الأكاذيبَ مرةً أخرى؛ لأنَّ الأمرَ كما قلتُ سابقًا، فكثير من المسلمين لا يعرفون شيئًا عن أبي هريرة، فحينما يسمعون مثلَ هذه الافتراءات عليه يأتون ليسألوا ويبحثوا فيجدون الردود القاطعة على كل ما قيل، فالأمر حقًّا كما قال الشاعر:

وإذا أَرَادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ    ****    طُوِيَتْ أَتَاحَ لِسَانَ حَسُودِ

لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورت   ****   ما كان يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ

فلو لم تكن النار قد اشتعلت في الأشجار طيبةِ الرائحة ما كان الناس حِينَئِذٍ سيعرفون أَنَّ هذه الأشجار طيبة الرائحة.

ثم ذَكَرَ المتحدث في الفيديو – نقلًا عن “وضاح صائب” – أن عدد أحاديث أبي هريرة أكثر من (5000) حديثًا في دواوين المسلمين!

قلت: هذا العدد غير صحيح، والصحيح أقلُّ من هذا، وهو بالمكرر، وفيه الصحيح والضعيف.

فيقول الْعَلَّامَةُ أحمد شاكر عن أبي هريرة:

[روى له الإمامُ أحمد في هذا المسند (3848) حديثًا، من رقم (7119) إلى (10997) وفيها مُكَرُّرٌ كثير، باللفظ أو بالمعنى. كعادة المسند في تكرار الحديث، ويصفو له منها بعد حذف المكرر

خير كثير. هو أكثر الصحابة روايةً على كل حال].([14])

والعدد الذي ذكره المتكلِّمُ لأحاديث أبي هريرة يحتوي على الأحاديث الصحيحة والضعيفة والأسانيد المكررة، لأنَّ كُلَّ سَنَدٍ يُسَمَّى حديثًا عند العلماء كما ذكرناه سابقًا.([15])

كما أنَّ عددَ الأحاديثِ التي تَفَرَّدَ بها أبو هريرةَ عن غيره من الصحابة تزيد عن مائة حديث قليلًا.

كما أنَّ عدد هذه الأحاديث بالمكررات، وبدون المكرر لا تتجاوز (1500) حديثًا، أي (1375) حديثًا تقريبًا. وهذا العدد يحتوي الصحيح والضعيف، والضعيف لا يصح سنده إلى أبي هريرة، فلا نستطيع أن نحسبه عليه، وقد وافقه وتابعه عليها من الصحابة حوالي (1265) حديثًا.

وهذا يعني أنَّ أبا هريرة انفرد فقط بـ (110) حديثًا عن بقية الصحابة. فما هي الْغَرَابَةُ في ذلك؟!

ثم لو افترضنا أَنَّ أبا هريرةَ رضي الله عنه روى (5000) حديث بالفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما هي المشكلة؟ ألم يكن أبو هريرة مُلَازِمًا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يتركه في حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ؟!

فلو أَنَّ طالبًا يذهب إلى مدرسته خمس مراتٍ في الأسبوع، فما هو حَجْمُ المعلومات الذي سَيُحَصِّلُهُ؟! فلو فرضنا أنه كان يحفظ وَيُدَوِّن كلَّ يومٍ عشر معلوماتٍ فقط؟! فَسَيُحَصِّلُ في الأسبوع (50) معلومة، وفي الشهر (200) معلومة، وفي السنة (2400) معلومة!!

وهذا يعني أَنَّ مُدَّةَ ملازمةِ أبي هريرةَ لرسولِ الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ والتي وَصَلَتْ لأربع سنوات، وتحصيله لهذا العدد من الأحاديث طبيعي جدًا عند العقلاء، لكن أعداء الإسلام يعطلون عقولهم متعمدين لِنَفْيِ الحقائق الواضحة والثوابت الراسخة.

ثم إن مُقَدِّمَ المقطع اضطر للكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عبد الله بن مسعود، فذكر عن ابن مسعود أنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مِكْثَارًا ولا مِهْذَارًا!!

وهذا الكلام لم أجده في أي كتاب على الإطلاق!!

فتخيل أن الشخص الذي يريد أن يخدع مشاهديه ويوهمهم بأنَّ أبا هريرةَ كان يَدُسُّ الحديثَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نَفْسُهُ يقوم بِدَسِّ الأحاديث على رسول الله في نفس المقطع.

وقد حُقَّ للحياء أن ينتحر ولحمرة الخجل أن تتوارى في زمن يتحدث فيه أمثال هؤلاء الكذابين!!

  ثم إن وضاح صائب كَذَّاب، وناقل الكلام عنه كذاب مثله، فقد ادَّعَى أن أبا هريرة لم يُعَاصِرْ

رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلا سَنَةَ وَنِصْف فقط، وسأدلل على كذبهما بما قاله أحد التابعين:

فقد جاء في مسند الإمام أحمد عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: [لَقِيتُ رَجُلًا، قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ].([16])

وهذا يؤكد أن التابعين الذين رأوا أبا هريرة قالوا إنه صَحِبَ الرسول أربع سنوات، فهل وضَّاح والمتكلم في الفيديو أَصْدَقُ أَم الشخصُ الذي رأى أبا هريرة بعينيه وحكى عنه؟!

وقد قيل: قد ضَلَّ مَنْ كَانَت الْعِمْيَانُ تَهْدِيهِ!!

رابعًا:

زعم مُقَدِّمُ المقطع أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيْثَ، أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ!!

وهذه الكلمة لم يقلها عمر بن الخطاب لأبي هريرة، وإنما قالها لكعب.

ولكن عمر قال لأبي هريرة: لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيْثَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ.

وتحت الرواية مباشرةً قال الذهبي إن هذا هو مذهب عمر بن الخطاب، وهو إقلال الرواية عن

الرسول صلى الله عليه وسلم. وأمر بها عمر بقية الصحابة غير أبي هريرة.

قال الحافِظُ الذهبي:

[هَكَذَا هُوَ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُوْلُ: أَقِلُّوا الحَدِيْثَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَزَجَرَ – عمر – غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنْ بَثِّ الحَدِيْثِ، وَهَذَا مَذْهَبٌ لِعُمَرَ وَلِغَيْرِهِ].([17])

لكن الأمين المحترم مقدم الفيديو لم يذكر لمشاهديه هذه الحقيقة، فأظهر الأمْرَ كأنَّ عُمَرَ بنَ الخطاب يخاف من أحاديث أبي هريرة أن تكون مدسوسة على الرسول فمنعه من الحديث!!

وإذًا وبموجب كلام الذهبي فعمر لم يمنع أبا هريرة من الرواية طعنًا في شخص أبي هريرة أو تشكيكًا في صدقه وعدالته، وإنما كان عمر يرى أن الإسلامَ لا يزال جديدًا بين الناس، ويرى أن نَشْرَ القرآن في تلك المرحلة أَوْلَى بالاهتمام من نشر الحديث النبويِّ. ويؤيده ما رواه ابن سعد.

روى الإمامُ ابْنُ سَعْدٍ:

[عن قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ أَرَدْنَا الْكُوفَةَ فَشَيَّعَنَا عُمَرُ إِلَى صِرَارٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: تَدْرُونَ لِمَ شَيَّعْتُكُمْ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ. نَحْنُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالْقُرْآنِ كَدَوِيٍّ النَّحْلِ فَلا تَصُدُّوهُمْ بِالأَحَادِيثِ فَتَشْغَلُوهُمْ. جَرِّدُوا الْقُرْآنَ وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، امْضُوا وأنا شريككم].([18])

فهؤلاء الصحابة أمرهم عمرُ بنُ الخطاب بنفس الأمر، فالأمْرُ بالفعل مَذْهَبٌ لعمر رضي الله عنه في هذه المسألة كما قال الذهبي، وليس المنع خاصًّا بأبي هريرة رضي الله عنه وحده!

والذهبي في كتابه تذكرة الحفاظ يقول:

[وقد كان عمر من وَجَلِهِ أَنْ يُخْطِئَ الصاحِبُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم أن يُقِلُّوا الرواية عن نبيهم، وَلِئَلًّا يتشاغلَ الناسُ بالأحاديث عن حِفْظِ القرآن].([19])

وطالما أَنَّ الذهبيَّ قد بَيَّنَ معنى الرواية وَوَضَّحَ مقصودَ عمرَ بن ِالخطابِ في نفس الصفحة؛ فلماذا لم ينقل المتكلمُ في الفيديو هذا الكلامَ لمشاهديه؟! هل يسعى هذا الشخص لتشويه صورة أبي هريرة بالباطل عن طريق الكذب والتدليس والافتراء؟!

أقول: وحينما ترك أبو هريرة الروايةَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكلٍ مؤقتٍ، إنما فعل ذلك طَاعَةً لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وهذا شيء طبيعي لِأَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ الصحابةَ بِطَاعَةِ الخلفاء الراشدين كما في حديث العرباض بن سارية:

[.. فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ].([20]

وعمر بن الخطاب خليفةٌ رَاشِدٌ مَهْدِيٌّ، فَوَجَبَ على أبي هريرة أن يطيع أَمْرَهُ ولا يَعْصِيَهُ.

ولكن بعد ذلك سَمَحَ أميرُ المؤمنين وخليفةُ المسلمين عثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه لِلصَّحَابَة بالتحديث مرة أخرى، لأنه رأى أنَّ الأمور قد استقرت، وصار حَمَلَةُ القرآن وَحَفَظَتُهُ بِالْآلَافِ.

وطالما أن المتكلِّم يستدل بالذهبي، فلماذا لم ينقلْ لنا كلامَ الذهبي عن أبي هريرة؟!

 قال الحافِظُ الذهبي:

[الإِمَامُ، الفَقِيْهُ، المُجْتَهِدُ، الحَافِظُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ، اليَمَانِيُّ، سَيِّدُ الحُفَّاظِ الأَثْبَاتِ].([21]

  وقال عنه أيضًا:

[كان حَافِظًا مُتَثَبِّتًا ذَكِيًّا مُفْتِيًا صاحبَ صيامٍ وقيامٍ].([22])

خامسًا:

تكلم هذا الشخص عن تلقيب أبي هريرة بـ “شيخ المضيرة“، وقال إن أبا هريرة امتنع عن الحديث حتى أعطاه معاوية المال فعاد يتكلم! وزعم أن أبا هريرة تَاجَرَ بالحديث لصالح معاوية؟! وزعم أن أبا هريرة لُقِّبَ بشيخ المضيرة؟!

وقال: [كان أبو هريرة يحب أكلة اسمها المضيرة، فيأكلها مع معاوية، وإذا   حضرت الصلاة صلى خلف علي، فإذا قيل له في ذلك قال: مضيرة معاوية أدسم، والصلاة خلف علي أفضل].

سأبدأ بالرد على النقطة الأخيرة حتى يَضْحَكَ القارئ على هذا المتكلم، وأتساءل:

أين كان يعيش علي بن أبي طالب وأين كان يعيش معاوية وقت الخصومة بينهما؟!

أليس علي كان يعيش في الكوفة بالعراق، بينما كان معاوية يعيش في الشام؟!

فكيف كان أبو هريرة يتنقَّل بين الشَّام والعِرَاق في نفس اليوم؟! هل هذا الكلام يصدقه عاقِل؟!

أم أن المتكلِّم في الفيديو يعتقد أَنَّ أبا هريرة كان يمتلك طائرة (F16)؟! أم كان لدى أبي هريرة جهاز للانتقال الآني؟! أم كانت لديه القدرة على اختراق الحاجز الزمكاني؟!

هل عرض المتكلم هذه التخاريف على عقله قبل أن يتفوه بها؟! سبحان مَنْ وَزَّعَ عقول البشر!

المضحك أكثر أَنَّ أبا هريرة لم يكن يعيش لا في الكوفة ولا في الشام، وإنما كان يعيش بالمدينة المنورة، على صاحبها أطيب الصلوات وأزكى التسليمات وأحسن البركات!!

قال الإمام أبو عُمَرَ ابنُ عبد الْبَرِّ:

[اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ عَلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى العَمَلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ المَدِينَةَ وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ].([23])

ثم إن أبا هريرة تُوُفِّيَ سَنَة (59) من الهجرة، والزمخشري مولود سَنَةَ (467) من الهِجْرَة.

يعني بين ولادة الزمخشري ووفاة أبي هريرة (408) سنة، فكيف عَلِمَ الزمخشريُّ بهذه القِصَّة؟!

والزمخشري لم يذكر سَنَدًا لهذه الرواية أَصْلًا، فكيف اعتمد المتحدثُ على رواية باطلة كهذه؟!!

هذه من أوضح الكذبات التي أطلقها هذا الشخص في كلامه عن أبي هريرة بلا دليل!

ثم هل كان أبو هريرة يتاجر بالحديث لصالح معاوية؟!

سأحكي بعض مواقف أبي هريرة مع بني أمية عمومًا لنعرف شخصية أبي هريرة مع الحكام!

ففي صحيح مسلم أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ دَخَلَ فِي دَارِ مَرْوَانَ بن الحَكَمِ فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»].([24])

يعني أبو هريرة لم يُنَافِقْ مروانَ بنَ الحكم- وهو حاكم المدينة آنذاك – أو تَمَلَّقَهُ.

وأما قول الله عَزَّ وجلَّ “مَنْ أَظْلَمُ” معناه أن هذا الشخص هو أظلم الناس وأَشَدِّهِمْ ظُلْمًـا.

وفي مُصَنَّفِ ابن أبي شَيْبَةَ عَنْ هِلاَلٍ الْقُرَشِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِمَرْوَانَ وَأَبْطَأَ بِالْجُمُعَةِ: تَظَلُّ عِنْدَ بِنْتِ فُلاَنٍ تُرَوِّحُك بِالْمَرَاوِحِ وَتَسْقِيَك الْمَاءَ الْبَارِدَ، وَأَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ يُسْلَقُونَ مِنَ الْحَرِ، لَقَدْ هَمَمْت أَنِّي أَفْعَلُ وَأَفْعَلُ، ثُمَّ قَالَ: اسْمَعُوا لأَمِيرِكُمْ].([25])

فلماذا لم يُنَافِقْ أبو هريرة مروانَ أو يتملَّقْه؟! لماذا وبخه توبيخًا شديدًا على تأخره عن الجُمُعَةِ!!

وبما أنَّ المتكلِّمَ لا يفرِّق بين الرواياتِ الصحيحة والضعيفة فلماذا لم تقع عينُهُ على هذه الرواية مع أنها في نفس كتاب الذهبي الذي يستدل منه؟!

عَنِ الوَلِيْدِ بنِ رَبَاحٍ، قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُوْلُ لِمَرْوَانَ حِيْنَما أَرَادُوا دَفْنَ الحَسَنَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نفس المقام النبوي الشريف: [وَاللهِ مَا أَنْتَ وَالٍ، وَإِنَّ الوَالِي لَغَيْرُكَ، فَدَعْهُ، وَلَكِنَّكَ تَدْخُلُ فِيْمَا لاَ يَعْنِيْكَ، إِنَّمَا تُرِيْدُ بِهَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ. يَعْنِي: مُعَاوِيَةَ].([26]

أبو هريرة يقول لمروان: لماذا تتدخل في مسألة دفن الحسن بن علي؟! أنت تريد إرضاءَ سيدِكَ

معاوية، وهو غائب عنك. فكيف يقال إن أبا هريرةَ كان يُتَاجِرُ بالحديث لصالح معاوية؟!

ثم ادعى هذا الشخص أن أبا هريرة امتنع عن الحديث حتى أعطاه معاوية المال فعاد يتكلم؟!

وهذا ليس معنى الرواية على الإطلاق، بل المراد أن أبا هريرة كان قويًّا في طلب حَقِّهِ من الحكَّام، فإذا أعطوه حقه سَكَـتَ، وإذا منعوا عنه حقه تكلَّمَ فيهم حتى يأخذه منهم، لِأَنَّه كان يتصدق بهذا المال، ولذلك ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ هذا القولَ في سِيَاق الحديثِ عن زُهْدِ أبي هريرة في الدنيا وتصدقه على الفقراء والمساكين، واستعداده للقاء الله، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَعُدْ إلى الصفحة ليقرأها كاملةً.

ويؤيد ما ذكرته ما قاله الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، قال:

[بَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَعْثَ إِلَيْهِ: إِنِّي غَلِطْتُ وَلَمْ أُرِدْكَ بِهَا، وَإِنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَدْ أَخْرَجْتُهَا، فَإِذَا خَرَجَ عَطَائِي فَخُذْهَا مِنْهُ. وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ مَرْوَانُ اخْتِبَارَهُ].([27])

وإنْ كان المقصود من الرواية أَنَّ أَبَا هريرة يأخذ المالَ لِيَخْتَرِعَ الأحاديثَ لِصَالِحِ معاويةَ؛ فهل كان الذهبيُّ سيقول عنه في نفس الكتاب: [وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيْقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيْثٍ].([28])

كيف يكون أبو هريرة لم يخطئ في حديث واحد إذا كان يدس الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

ثم إذا كان أبو هريرة يضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتخيل سقام العقل والبدن؛ فلماذا لم يتكلم فيه العلماء كما تكلموا في كل الكذابين والوضاعين؟!

سادسا: زعم المفتري أن أبا هريرة خان أمانة المسلمين وضربه عمر حتى أدماه،

والرد من عدة أوجه كالتالي:

الوجه الأول: المتكلم في هذه المرة لم يَأْتِ بالرواية من كِتاب سير أعلام النبلاء، وإنما أتى بها من كتاب الطبقات الكبرى لابن سَعْدٍ وكتاب فتوح البلدان للبلاذري، مع أنه منذ أول الحلقة وهو

يستدل بكتاب الذهبي، فلماذا فعل ذلك؟!

الجواب: لأنَّ كتابي الطبقات وفتوح البلدان ذَكَرَا الرواية ناقصةً، وأما الذهبي في سير أعلام النبلاء فذكرها كاملة، وفيها الجزء الخاص ببراءة أبي هريرة من هذا الاتهام، وسأقرأ لكم الرواية من كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي:

قال الحافِظُ الذهبي:

[مَعْمَرٌ: عَنْ أَيُّوْبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى البَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ بِعَشْرَةِ آلاَفٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ يَا عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّ كِتَابِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: لَسْتُ بَعَدُوِّ اللهِ وَعَدُوِّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا. قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟! قُلْتُ: خَيْلٌ نُتِجَتْ، وَغَلَّةُ رَقِيْقٍ لِي، وَأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ. فَنَظَرُوا، فَوَجَدُوْهُ كَمَا قَالَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، دَعَاهُ عُمَرُ لِيُوَلِّيَهُ، فَأَبَى. فَقَالَ: تَكْرَهُ العَمَلَ، وَقَدْ طَلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْراً مِنْكَ يُوْسُفُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ: يُوْسُفُ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بنُ أَمَيْمَةَ، وَأَخْشَى ثَلاَثاً وَاثْنَتَيْنِ. قَالَ: فَهَلاَّ قُلْتَ خَمْساً؟ قَالَ: أَخْشَى أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حِلْمٍ، وَأَنْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْتَزَعَ مَالِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي].([29])

فإذا كانت رواية الذهبي تحمل براءة أبي هريرة من هذا الاتهام فلماذا أخفاها المتكلم الأمين؟!

أليس قوله: [فَنَظَرُوا، فَوَجَدُوْهُ كَمَا قَالَ] دليلًا على صِدْقِ أبي هريرةَ وبراءته من هذا الاتهام؟! فلماذا أخفيتَها عن المشاهدين أيها المهذَّب الأمين؟!

الوجه الثاني: إذا كان أبو هريرة قد خان بالفعل أمانة المسلمين؛ فلماذا يدعوه عمر بن الخطاب

للولاية مرة أخرى؟!

الوجه الثالث: الذي نقل لنا هذه الرواية وحدَّثَ بها – بحسب الطبقات الكبرى – هو أبو هريرة رضي الله عنه بنفسه، فلو كانت فيها إدانة له فلماذا كان سيرويها ويحْكِيها لمحمد بن سيرين؟!

الوجه الرابع: كيف خفي حال أبي هريرة إذا كان سَارِقًا وَخَائِنًا للأمانة على الأمة الإسلامية ولم

ينتبه لذلك إلا سفهاء ومعاتيهُ زماننا؟!

الوجه الخامس: منذ متى وأبو هريرة يسرق ويخون الأمانات؟! وهذه سيرته معروفة ومعلومة لجميع الناس؛ سواء مَنْ عَاصَرَهُ من الصحابة والتابعين، أو مَنْ جاء بعده من العلماء الربانيين؟!

الوجه السادس: المتكلم قال إِنَّ ابنَ كثير أَكَّدَ الرواية، وابن كثير نقل الرواية كاملة، وفيها النص على براءة أبي هريرة من السرقة، فهل المتكلم لم يقرأ الرواية عند ابن كثير؟! أم قراها وَعَلِمَ براءةَ ابي هريرة، ومع ذلك أخفى ذلك عن مشاهديه؟!

لا توجد رواية صحيحة في ضرب عمر لأبي هريرة إلا رواية واحدة، وكانت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عُمَرُ مُخْطِئًا في حق أبي هريرة، وهذه هي الرواية:

روى الإمام مسلم: عن أَبي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: [كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلْأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ – وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ – فَاحْتَفَزْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ» فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَخَلِّهِمْ»].([30])

وهذه الرواية ليس فيها استعمال عمر للدِّرَّةِ، ولم يكن عمر وقتئذٍ أميرًا للمؤمنين.

وكل رواية سوى ذلك في ضرب عمر لأبي هريرة لا تصح على الإطلاق!

وحتى الرواية التي ذكرها المتكلِّم من الطبقات الكبرى وفتوح البلدان ليس فيها أن عمر ضرب أبا هريرة ولا أدماه، الخلاصة أن المتكلم يمارس الكذب بشكل مفضوح!!

ثم نقل المتكلم كلامًا للكذاب وضاح صائب أن روايات ضرب عمر لأبي هريرة مُجْمَعٌ عليها!!

فأين هذا الإجماع المزعوم؟!

سابعًا: طعن عائشة في أبي هريرة، وتكذيبها له:

زعم المتكلم أَنَّ أُمَّ المؤمنين عائشةَ عليها السَّلَامُ كَذَّبَتْ أبا هريرة!!

وهذا كَذِبٌ صَرِيحٌ، لا يصدقه إِلَّا معتوه! فالرواية التي قال المتكلم إنها في صحيح البخاري ليس فيها الجزء الأخير مما زعمه هذا الكذوب، وهذه هي الرواية من صحيح البخاري:

[عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى إِلَى قَوْلِهِ الرَّحِيمُ}، إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ].([31])

فأين كلام أم المؤمنين عائشة له؟! بل في الرواية خارج البخاري أنها أذْعَنَتْ وَسَلَّمَتْ لأبي هريرة بحديثه، وهذه هي الرواية من كتاب سير أعلام النبلاء الذي يحب أن ينقل منه الكذوب:

قال الحافِظُ الذهبي:

[مُحَمَّدُ بنُ كُنَاسَةَ الأَسَدِيُّ: عَنْ إِسْحَاقَ بنِ سَعِيْدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لَهُ: أَكْثَرْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ.

قَالَ: إِيْ وَاللهِ يَا أُمَّاهُ، مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ المِرْآةُ وَلاَ المُكْحُلَةُ وَلاَ الدُّهْنُ. قَالَتْ: لَعَلَّهُ].([32])

فالرواية تقول إنها أذعنت لما قاله أبو هريرة، وسلمت له، وليس أنها ردت عليه كما زعم المفتري الكذاب!!

أما الزيادة التي زعمها الكذوب فقد نقلها عن وضاح صائب كالأعمى، فوقع في شر أعماله!

فهذه الرواية ليس لها وُجُودٌ نهائيًّا في كتب المسلمين، وهي من اختراع وَضَّاح الْكَذَّاب!

وهذا هو حال أعداء الإسلام وأعداء السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ؛ ليس لديهم إلا الكذب والتدليس والغش وتحريف الوقائع وطَمْسِ الحقائق، ثم يتهموننا نحن بما هو لَصِيقٌ بهم، ولا ينفك عنهم!!

ثم إن أبا هريرة كان يجلس إلى جوار حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويتعمد أن يُسْمِعَهَا هذه الأحاديث التي يقولها، ثم يسألها هل تنكرين شيئًا مما أقول: فقالت: لا!

فكيف يتعمَّد هؤلاء المجرمون تحريف شهادة أُمِّ المؤمنين عَائِشَةَ ويكذبون عليها بهذه الوقاحة؟!

ثم من الذي قال إن جواب أبي هريرة على أم المؤمنين كان سَاخِرًا؟! أعوذ بالله من الكذب!!

هل لدى هذا الشخص دليل على أن أبا هريرة أجابها بهذا الجواب على سبيل السخرية؟!

أم أنه كان حاضِرًا هذا الموقف حِينَئِذٍ، ورأى تعبيراتِ وَجْهِ أبي هريرة؟!

لماذا جميع المخالفين لا يفهمون وعقولهم ضعيفة؟! لماذا يدلسون ويحرفون الروايات ويكذبون؟

هل هذا حَقًّا هو مستوى الحاقدين الطاعنين في الإسلام العظيم؟! 

إذا كان أعداؤنا بهذا المستوى فلا خوفَ أبدًا على المسلمين، فيكفي مقطعٌ واحدٌ لبيان كَذِبِ أَحَدِهِم حتى يسقطَ من عيون محبيه ومشاهديه ومتابعيه قبل أن يسقط من عيون أبنائنا المستهدفين بالتضليل والكذب والتزوير والتدليس.

كلمة أخيرة لمن يصدقون هذا الكذوب وأمثاله:

إذا كنتم تتبعون في أفكاركم وتقبلون لعقولكم أن يكون هذا الشخص وأمثاله مصدرًا للمعرفة؛ فالعيب فيكم أنتم!!

إِذَا كَانَ الْغُرَابُ دَلِيلَ قَوْمٍ    ****    فعَيْبُ القَوْمِ لا عَيْبُ الغُرَابِ

ورسالتي إلى الكذوب المفضوح: هل أنت سعيد بعدما فضحتُ جَهْلك وكذبك وتدليسك؟!

هل تشعر بالسعادة حينما تُفضَحُ؟! وهل الذين يمولونك للطعن في الإسلام سعداء بعد فضائحك بعد كل حلقة؟!  وهل تكون سعيدًا ومبتهجًا حينما يعرف مشاهدوك أنك جاهل ومدلس وكذَّاب؟! والله، لست أدري كيف تعيشون هكذا!!

 

والحمد لله رب العالمين

أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

مراجع البحث:

([1])  مُسْنَدُ الإمام أحمد بن حنبل ج8 ص21، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون.

([2])  سنن الإمام الترمذي ج6 ص166، ط دار الغرب الإسلامي – بيروت، ت: بشار عواد معروف.

([3])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص607، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: إشراف شعيب الأرنؤوط. وأصله في صحيح مسلم.

([4])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص606، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([5])  سنن الإمام أبي داود السجستاني ج2 ص444، ط دار الرسالة العالمية.

([6])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص616، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([7])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص603، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([8])  الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج4 ص1771، ط دار الجيل – بيروت.

([9])  مُسْنَد الإمام  أحمد بن حنبل ج12 ص83، ط دار المعارف – مصر، بتحقيق: الشيخ أحمد شاكر.

([10])  تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ج7 ص526، ط وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – السعودية.

([11])  تهذيب التهذيب ج7 ص527.

([12])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص608، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([13])  الذي نقل بدوره أغلبَ افتراءاته وأكاذيبه من كتابِ للشيعي الرافضي عبد الحسين شرف الدين الموسوي.

([14])  مسند الإمام  أحمد بن حنبل ج12 ص83، ط دار المعارف – مصر، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر.

([15])  انظر حلقات الرد على الملحد شريف جابر على قناة مكافح الشبهات على يوتيوب.

([16])  مُسْنَدُ الإمام أحمد بن حنبل ج28 ص224، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([17])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص601، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([18])  الطبقات الكبرى للإمام ابن سعد ج6 ص87، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([19])  تذكرة الحُفَّاظ للإمام الذهبي ج1 ص12، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: زكريا عميرات.

([20])  مُسْنَدُ الإمام أحمد بن حنبل ج28 ص373، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([21])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص578، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([22])  الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ج2 ص469، ط دار القبلة للثقافة الإسلامية، مؤسسة علوم القرآن – جدة.

([23])  الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج4 ص1771، ط دار الجيل – بيروت.

([24])  صحيح مسلم، حديث رقم: 101 – (2111). وهذه التصاوير كانت تُبْنَى في هذا الوقت، وليست قديمة.

([25])  مُصَنِّفُ الإمام ابن أبي شيبة ج11 ص116، ط مكتبة الرشد – الرياض.

([26])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص578، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([27])  البداية والنهاية ج11 ص388، ط دار هجر – الجيزة.

([28])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص621، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([29])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص612، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([30])  صحيح مسلم ، حديث رقم  52 – (31).

([31])  صحيح البخاري – باب حفظ العلم – حديث رقم 118.

([32])  سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج2 ص604، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

بيان كذب عدنان إبراهيم في حديث التربة

بيان كذب عدنان إبراهيم في حديث التربة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

فهذه حلقة علمية كاشفة لأكاذيب وتدليسات عدنان إبراهيم حول الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه حول حديث التربة:

روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: «خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ».

وهذا هو الرد القاطع:

https://www.youtube.com/watch?v=WRioQdmwf3A

%d مدونون معجبون بهذه: